عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 آب 2017

محددات الوظيفة القضائية ومسؤولياتها في الواقع العملي

المحامي د. ايهاب عمرو

ينبغي على كل من يعملون في أية وظيفة قضائية الاستناد إلى أحكام القانون الناظم الذي يستمدون منه صلاحياتهم، سواء كان قانون دستوري أو قانون عادي أو قانون لائحي. وتشمل الوظيفة القضائية كل من يعملون في المحاكم النظامية وغير النظامية سواء كانت خاصة أو استثنائية، إضافة إلى أعضاء النيابة العامة حيث يطلق على أفرادها إسم "القضاة الواقفين".

وفي فلسطين كدولة نامية، معلوم أن المحاكم النظامية تشمل محاكم الدرجة الأولى كالصلح والبداية، ومحاكم الدرجة الثانية كالاستئناف التي تعد محكمة طعن بطريق عادي، إضافة إلى البداية بصفتها الاستئنافية. وتشمل أيضاً محكمة النقض التي تعد محكمة قانون وليست محكمة موضوع. لذلك، فإن التقاضي في فلسطين على درجتين، ذلك أن النقض ليست درجة كونها محكمة طعن بطريق غير عادي. وتسمى ذات المحكمة باسم محكمة التمييز في بعض الدول كالأردن مثلاً. في حين تشمل المحاكم الخاصة بشكل رئيسي المحاكم الشرعية والدينية "الكنسية" كمجالس الطوائف. وتشمل أيضاً محاكم خاصة أخرى، يطلق عليها إسم "المحاكم النظامية المتخصصة" مثل محكمة قضايا الجمارك، ومحكمة إستئناف قضايا ضريبة الدخل، ومحكمة استئناف قضايا الانتخابات، ومحكمة البلديات، ومحكمة قضايا جرائم الفساد. وتشمل المحاكم الاستثنائية بشكل أساسي المحاكم العسكرية على إختلاف أنواعها ودرجاتها. إضافة إلى ذلك، فإن الوظيفة القضائية في فلسطين تشمل أيضاً العاملون في النيابة العامة كقضاء واقف، كما أسلفنا. وفي فلسطين توجد أيضاً محكمة دستورية عليا يحكمها قانون خاص هو قانون المحكمة الدستورية العليا لعام 2006. وتختص المحكمة الدستورية العليا بموجب المادة (103) من القانون الأساسي المعدل لعام 2003 بالنظر في دستورية القوانين واللوائح والنظم وغيرها، وتفسير نصوص القانون الأساسي والتشريعات، والفصل في تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية وبين الجهات الإدارية ذات الإختصاص القضائي. ومعلوم أن المحكمة العليا كانت تختص قبل تشكيل المحكمة الدستورية بموجب قرار رئاسي صدر في العام 2016 بنظر أية منازعات ذات طبيعة دستورية تأسيساً على أحكام المادة (104) من القانون الأساسي المعدل سالف الذكر التي نصت على تولي المحكمة العليا مؤقتاً النظر في كل القضايا المسندة للمحاكم الإدارية والمحكمة الدستورية العليا. وتشمل المحكمة العليا كل من قضاة محكمة النقض وقضاة محكمة العدل العليا.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أنه لا يوجد في فلسطين لغاية الآن قضاء إداري مستقل عن القضاء النظامي، ذلك أن المحكمة العليا تختص بنظر المنازعات ذات الطبيعة الإدارية وفقاً لنص المادة المذكورة أعلاه من القانون الأساسي من خلال محكمة العدل العليا كمحكمة إدارية وكجزء من المحكمة العليا. وتعد محكمة العدل العليا محكمة إلغاء وليست محكمة تعويض، أي تقتصر صلاحيتها على إلغاء القرار الإداري المخالف دون أن تمتد تلك الصلاحية لتعويض المتضرر. إضافة إلى هذا وذاك، فإن التقاضي في المنازعات الإدارية في فلسطين يكون على درجة واحدة ما يستوجب معه العمل على إنشاء قضاء إداري مستقل عن القضاء النظامي وعلى درجتين في فلسطين أسوة بدول غربية وعربية أخرى سواء تلك التي قطعت شوطاً كبيراً في مجال القضاء الإداري مثل مصر، أو تلك التي لا تزال حديثة العهد في ذلك المجال مثل الأردن، ما يسمح بتجسيد الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وأعمالها.

وعليه نستطيع القول، إن الصلاحيات الممنوحة للجهات القضائية في فلسطين على إختلافها يحكمها القانون الأساسي المعدل لعام 2003 الذي نص على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية) في المادة الثانية منه. وتناول القانون الأساسي سالف الذكر السلطة القضائية في باب منفصل هو الباب السادس. ونص في المادة (97) على أن السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على إختلاف أنواعها ودرجاتها، ويحدد القانون طريقة تشكيلها واختصاصاتها، وتصدر أحكامها وفقاً للقانون. ونصت المادة (98) على أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وأنه لا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو شؤون العدالة. وتناولت القوانين العادية الأخرى ذات العلاقة مثل قانون تشكيل المحاكم النظامية لعام 2001، وقانون السلطة القضائية لعام 2002، وقانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية لعام 2001، وقانون الإجراءات الجزائية لعام 2001 كافة الاختصاصات والصلاحيات والسلطات الممنوحة للمحاكم النظامية على اختلاف أنواعها ومسمياتها ودرجاتها، وللنيابة العامة كذلك. في حين تحكم في الغالب، وليس في كل الحالات، قوانين موضوعية وإجرائية أخرى أعمال المحاكم الخاصة والاستثنائية في فلسطين.

ويتفاوت تطبيق تلك السلطات والصلاحيات الممنوحة للجهات القضائية من دولة لأخرى، فبينما نجد أن معظم الدول الغربية تمنح القضاة استقلالاً كاملاً عند مزاولة أعمالهم، فإننا نجد أن بعض الدول النامية، تنتقص من تلك الصلاحيات بواسطة التدخلات غير الإيجابية من السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية ما يشكل مساساً بمبدأ المشروعية، والشواهد على ذلك كثيرة في العالم النامي، ما يوجب على القضاة في تلك الدول التعاطي بذكاء وحنكة ومهنية عالية مع تلك المعضلة ما يمنع أية تدخلات من جانب السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية من جهة، ويحفظ هيبة السلطة القضائية ما يمكنها من إعطاء كل ذي حق حقه من جهة أخرى.

 وأذكر في هذا السياق لقاء جمعني وأحد قضاة المحكمة الإدارية في دولة آسيوية قبل عدة سنوات أفادني أنه يسعى دائماً عند فصله في المنازعات إلى إحداث توازن بين مصلحة الأفراد من جهة ومصلحة الدولة من جهة أخرى منعاً لتدخل غير محمود من قبل حكومة دولته ما يؤثر على إستقلاله وحيدته ويهز صورته أمام المجتمع. وأفادني أنه بهذه الطريقة تفادى تلك التدخلات طوال فترة عمله في الجهاز القضائي التي امتدت حتى تاريخ اللقاء المذكور لعشرين عاماً. ومن إخلال إعمال القياس، يمكن تطبيق ذلك ليس فقط في نطاق المنازعات الإدارية، بل أيضاً في نطاق أية منازعات حقوقية أو جزائية أخرى يكون للدولة مصلحة فيها. وأعتقد جازماً، وبحكم عملي السابق في الجهاز القضائي لسنوات، أن ذلك ليس بالأمر الذي يصعب تحقيقه، ذلك أن القضاء الوضعي يسمح باعمال السلطة التقديرية للقاضي الذي ينظر المنازعة، خصوصاً في المنازعات ذات الطابع الجزائي أو الإداري.

خلاصة القول، إن محددات الوظيفة القضائية ومسؤولياتها العملية، خصوصاً في دول العالم النامي، توجب على من يعملون في أية وظيفة قضائية مهما اختلف نوعها وقل أو علا شأنها، مراعاة مصلحة الدولة من جهة، ومصلحة الأفراد من جهة أخرى دون ضرر ولا ضرار، ودون تغليب مصلحة على أخرى دون وجه حق. ذلك أن القاضي الناجح يتعين عليه إحداث نوع من التوازن الإيجابي ما يحفظ للوظيفة القضائية هيبتها ومكانتها المجتمعية، ويمنع أية تدخلات من قبل السلطة التنفيذية، خصوصاً ان وظيفة السلطة القضائية الرئيسية هي صون الحقوق وحماية الحريات. ويكون ذلك من خلال تطبيق نصوص القوانين ذات العلاقة بشكل يحقق العدالة المجتمعية، خصوصاً أن مفهوم الدولة قد تطور من دولة حارسة إلى متدخلة إلى حديثة ترتكز بشكل أساسي على مبدأ سيادة القانون في بناء مؤسسات الدولة، ما يشمل المؤسسات القضائية. ومعلوم بالضرورة أن مبدأ سيادة القانون يعني خضوع الأشخاص كافة سواء كانوا حكاماً أو محكومين لسيادة القانون في ظل مبدأ المشروعية، أي عدم مخالفة القوانين والأنظمة سارية المفعول في الدولة سواء من قبل هيئات أو أفراد الدولة.