صراخ في وجه مدينة
تغريدة الأحد – حنان باكير
خطواتي اللعينة، لا تأخذني الا الى مواطن الوجع، ولو عبر الذاكرة. أحداث القدس الجديدة/ القديمة، أو المتجددة دوما، تفتح في القلب كوة تطل على فضاء المدينة المثقلة بإرث تاريخي وإنساني، ودروب آلام. لم أعرف تلك السيدة الجميلة/ المدينة، الا قبل زمن قصير نسبيا. فأنا لا ذاكرة لي في هذا المكان. لكني ورثت عشقها وتلبّسني تاريخها.
من فندقي "جيروزالم أوتيل"، المطل على باب العامود، أجلس كل صباح قبل انبزاغ أول خيوط الفجر، أحتسي القهوة والليموناضة المقدسية بالنعناع. ثم تتبعني العصافير في الحضور. وبعد قليل تأتي تلك السيدة الجميلة، بملابسها التاريخية، وبملامحها وروائحها، المعتقة في خوابي التاريخ. تشاركني الطاولة وتجلس صامتة. أحكي لها حكايا سيدات جميلات، خرجن من إسار قيود، وجدن أنفسهن مكبلين فيها، دون أن يدرين لماذا هن بالذات، وقع عليهن خيار حمل عبء إرث كبير! أحكي والسيدة الجميلة صامتة. أمسّد يدها الممتدة على الطاولة.. ثم تنسحب حزينة.. تدخل من باب العامود وتنتصب مآذن ومعابد..
في كل صباح، أذهب صوب باب العامود. أراقب بشغف أنواع الخضار والفاكهة، وكأنني في جوع مزمن. هو الأمر كذلك.. نهم لفاكهة وخضار، اكتسبتُ أسطرتها من والديّ ومن الكبار.. الذين أرهقونا بلازمتهم، بأن خضار هذه الأرض الطيبة غير شكل بخضرتها ورائحتها. وفاكهة الوطن غير شكل بحجمها وبألوانها وطعمها الخرافي. فأنتقي كل يوم نوع فاكهة واحد، أحمله معي الى الفندق، وأستمتع بالطعم الفريد والنادر. هل هي حقا كذلك، أم أن الأمر صار متعلقا بجينات ورثتها!!
ذات صباح، اجتزت باب العامود، نحو سوق الخضار. بضعة نسوة بأثوابهن المطرزة، افترشن الأرض يبعن الزعتر، يجمعنه في باقات صغيرة، ومثله الخبيزي والهندباء. إحدى النسوة كانت تبيع الصبر، بصبر الأنبياء، خشّن شظف العيش ملامحها التي بدت بعنفوان جبل الزيتون، أو كأنها قُدّت من صخره.. جهزت الكاميرا، لألتقط لهن صورة، غضبت إحداهن، وأشارت بسبابتها نحوي، تعني: أنت. رديت لها بإشارة من سبابتي الى صدري.. أي أنا! هزت برأسها، يعني أني فهمتُ مقصدها. رفعت سبابتيها نحو السماء، ثم أنزلتهما وطوّقت رقبتها بكلتي يديها، في إشارة الى عملية الخنق. فهمت الرسالة. اقتربت منها قليلا وسألتها: خيتا ليش بدو الله يخنقني؟ وهي تدير وجهها عني، أشارت لي بقرف واشمئزاز، أن انقلعي من وجهي.
اقتربت منها أكثر وصبّحتها. ليش يا خيتا! أنا متلك فلسطينية! أجابتني بلا مبالاة وبمزيد من الاحتقار: إنتو بتتعلموا العربي أحسن منّا.. غوري من وجهي. أقسمت لها بأني مثلها وأني من عكا، ولكنها أفضل مني بألف ألف مرة، أنا ارتحلت وتهت، وهي بقيت تحرس التين والزيتون بأرضنا الطيبة. لم يشفع لي كل كلامي الجميل المشبع، بأحزان ستين عاما من التيه، حتى تعترف بوجعي. وتواجه ذلي وانكسار روحي، بالإحتقار.. لم يزعجني الأمر، بل أسعدني، لأن المرأة لم تخش الإفصاح عن مشاعرها، اتجاه من اعتقدت، أنها من الطرف المغتصب لأرضها وسمائها وهوائها..
أخيرا قلت لها: ممكن أسلم عليك؟ ومددت لها يدي، حدّقت في عينيها. أخمّن بأن قلبها همس لها شيئا. مدّت يدها بلا مبالاة. أمسكت بيدها وخطفت منها قبلة سريعة.. وانصرفتُ بعد أن أديت مهمة شاقة. ليدها التي خشنها العمل في ما تبقى لها من تراب، رائحة الزعتر والزيتون والصبر الذي تبيعه.
تابعت طريقي الى الفندق، وكأنني أنجزت مهمة صعبة. ثقل في القلب ينوء به جسدي، لم أفهم معنى لسلوكي هذا. كنت مهيأة لأن أبوس الأرض تحت أقدامهن التي تأبى الرحيل.. لتتقدس أنفاسهن التي تحرس الهواء.. لتتقدس عيونهن القابضة على المدى والأفق.. لتتقدس أيديهن التي خشّنها حب التراب.
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، اغفر لنا ذنب رحيلنا.. أبانا الذي في السماوات، اغفر لنا عجزنا وضعفنا.. واغفر لي نعومة يديّ التي لم يخشنها حب الأرض! هجست بصلاة لم أحفظها من قبل.
حين غادرت المدينة. بقي نظري موجها صوب المآذن والقباب والمعابد.. حتى بدأت تصغر.. أردت أن أصرخ في وجه المدينة الهاربة، شيئا ما.. لكني لم أستطع..
بتصرف عن شيء كتبته عام 2008.