عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 24 تموز 2017

الباب

وداد طة *

مرّ أبو كيس في المدينة، وهو شبح من خوف وظلام يلملم الأحلام التي يضيعها أصحابها. كان النهار في أوله، والناس منشغلون،، جلس يرتاح، فكيسه ملآن، وضعه بجانبه واتكأ عليه، شعر بنسمة أنعشته، وشم رائحة زكية، التفتت عيناه الواسعتان ليرى من أين تأتي نسمة الحب العطرة تلك، اخترقت نظرته جدران المباني وصراخ المارة وأنين الشوارع وضجيج القلوب، وتوقفت عند باب: مرتدياً الأسود، مبتسماً، غمرها بعينيه وقال: رأيتك في أحلامي.. ابتسمت واشتعلت بنوره..وانفتح الباب، هي خطت في اتجاه وهو خطا في اتجاه، راقب أبوكيس المشهد وقد شده ما يحصل في هذه المدينة الملى بأحلام الموت.
  استدار هو فوجدها تبتعد، راقب غيابها خطوة خطوة، رغب في أن يناديها، تخيل نفسه يعانق الهواء المعلق بين خطويهما، ها هو يلامس قلبها، ويلثم هالات النور حولها، ها هو يحترق بوهجها، ويذوب في عمقها، وها هي تنسكب في قلبه كنهر من رحيق، أغمض عينيه، لم يكن هو بحاجة لوقت أطول ليعي أنها توأم روحه الضائع، لكنه احتاج شجاعة أكبر من وجوده كله كي يناديها أن عودي، شجاعة جرده منها حبسه في خاتم يضعه في يده. أسكت لهفته المجنونة، لملم حنينه الذي انسرب نحوها، وانسحب ببطء.
التفتت هي نحوه، رأت خطوه يبتعد، اشتاقت إلى أن تعانق ابتعاده، أن تناديه، أن تركض خلفه، أن تحبه، ها هي بين يديه وهو سماؤها، ها هي ترتل ترانيم أنفاسه، هاي هي تحياه وهو ماضيها ويومها وغدها. لم تكن بحاجة إلى وقت أطول لتعي أنه توأم روحها الضائع، لكنها احتاجت شجاعة أكبر من وجودها كله كي ترجوه أن يبقى. راقبت غيابه، لملمت صراخها الأخرس، وانسحبت ببطء.
  نظر أبوكيس إلى الهاوية السحيقة حيث يخرج كل ليلة، يعرف أنه ممنوع من التدخل، مهمته أن يلملم الأحلام التي يتركها أصحابها، لكنه لم يقاوم تلك الحقيقة أمامه، طار إلى الباب وصرخ بأعلى صوته: الباب مفتوح! 
 سمع هو صوتاً غريباً لم يعرف إن كان في قلبه أم أنه آت من الخارج، وسمعت هي صوتاً لم تعرف إن كان في قلبها أم في الخارج، والتفتا نحو الباب.
قاصة فلسطينية تعيش في لبنان *