تقييم الكادر الأكاديمي في الجامعات الفلسطينية
المحامي د. إيهاب عمرو
تعد مسألة تقييم أساتذة الجامعات الفلسطينية من أكثر المسائل تعقيداً وتشابكاً، خصوصاً في ظل عدم وجود أنظمة واضحة تحكم عملية التقييم تلك. وكذلك في ظل عدم وجود وسائل وأدوات موثوقة يمكن من خلالها الاعتماد على نتائج عملية التقييم لاتخاذ ما يلزم من قرارات أو إجراءات بخصوص الكادر محل التقييم، ما يجعل من تلك العملية أقرب إلى العبثية، أو لكي يتم استخدامها كأداة في وجه البعض دون البعض الآخر ليس أكثر.
ومع إيماني الشديد أن الطالب/ة لا يستطيع أن يقيم أستاذه مهما بلغ الطالب من قوة في المستوى ومهما بلغ الأستاذ/ة من ضعف، خصوصاً طلبة المرحلة الجامعية الأولى الذين يفتقدون إلى الخبرة العملية والمعرفة العلمية النظرية بشكل عام مع الاحترام كونهم في طور اكتساب المعارف وتراكم الخبرات، إلا أنه يمكن القول إن أكثر ما يشوب عملية تقييم الكادر الأكاديمي في الجامعات الفلسطينية هو ما تعلق بفلسفة تلك العملية، حيث يتم توجيه أسئلة للطالب/ة حول الكادر محل التقييم من ناحيتين موضوعية وشخصية، وأقصد هنا كيفية معاملته للطلبة أثناء المحاضرة. والطامة الكبرى تكمن في طبيعة الأسئلة الموجهة للطلبة على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الأكاديمية.
ويحضرني في هذا السياق نموذج من الأسئلة التي كانت معدة للتقييم في إحدى الجامعات الفلسطينية التي عملت بها سابقاً يتضمن، من جملة أشياء أخرى، تساؤلات حول ما إذا كان أسلوب الأستاذ/ة أثناء المساق ينمي البحث العلمي والمنطق السليم. وتكمن خطورة هكذا سؤال في أنه يعلي من شأن الطالب/ة ويجعله الحَكَم في علوم تحتاج إلى دراسة قبل القدرة على الحُكم بشأنها سواء من قبل طلبة أو حتى من قبل أساتذة. فهل يعقل أن يتم توجيه سؤال حول البحث العلمي وعلم المنطق إلى طلبة سنة أولى في الجامعة والطلب منهم الإجابة عن هذا التساؤل بخصوص الكادر محل التقييم؟
ومعلوم بالضرورة أن البحث العلمي علم قائم بحد ذاته يحتاج إلى سنوات من الدراسة والمتابعة والخبرة العملية حتى يكون الباحث، خصوصاً القانوني، قادراً على تناول المواضيع ذات العلاقة ليس فقط من ناحية نظرية أكاديمية وإنما أيضاً من ناحية عملية تطبيقية. وإلا بماذا نفسر قيام الدول الغربية بإيلاء البحث العلمي تلك الأهمية في الحقول كافة؟
إضافة إلى ذلك، فإن المنطق كعلم لدراسة مناهج الفكر وطرق الاستدلال السليم يعد علماً قائماً بحد ذاته، وقد أمكنني تجربة ذلك بشكل عملي أثناء دراستي الجامعية في اليونان كون أن الفيلسوف اليوناني آرسطو كان أول من كتب حول علم المنطق بوصفه علماً قائماً بحد ذاته معتمداً في ذلك على الاستدلال والقياس، قبل أن يظهر منطق الاستقراء "الملاحظة والتجريب" لاحقاً في القارة العجوز بواسطة الفيلسوف الإنجليزي بيكون.
وقد تأكدت أثناء عملي في بعض الجامعات الفلسطينية بما لا يدع مجالاً للشك أن الطالب/ة يقوم بالتقييم بناءً على العلامة التي يحصل عليها أثناء المساق، فإن حصل على علامة مرتفعة فإن تقييمه للأستاذ/ة سوف يكون بذات المستوى، وإلا فإن الأستاذ/ة سوف يحصل على تقييم منخفض. وهذا يؤدي إلى قيام ضعاف النفوس والمستوى من الكادر الأكاديمي، أو ما يمكن أن نطلق عليهم وصف "أنصاف الأكاديميين"، إلى منح الطلبة علامات مرتفعة لا يستحقونها متناسين– أي الكادر الأكاديمي- أن قانون الرزق بيد الله تعالى الذي قدر أقوات عباده منذ بدء الخليقة. وذلك يؤدي أيضاً إلى إعلاء شأن المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة ما يؤثر بشكل سلبي على عموم المجتمع عبر تخريج طلبة غير ملمين بطبيعة تخصصهم الدقيق ما يساهم في إحداث نتائج ضارة مجتمعياً لا يمكن تجاوز آثارها المستقبلية بسهولة على المستويات كافة سواء كانت علمية أو مهنية أو خدماتية أو إنسانية.
تأسيساً على كل ما سبق، فإنه لا بد من قيام الجامعات الفلسطينية بالارتقاء بمستوى عملية التقييم للكادر الأكاديمي والبحث عن طرق أكثر إبداعية وأبعد أثراً حتى يكون لعملية التقييم هذه عامل التأثير المنشود دون ضرر ولا ضرار. ويتعين عليها كذلك تطوير الكادر العامل لديها حتى لا يكونون عرضة لأية تأثيرات خارجية قد تنعكس سلباً على طريقة تعاطيهم الموضوعية مع الطلبة.