عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 حزيران 2017

"ابو الوطنية"... رجل من ذلك الزمان

د. يوسف عراقي

في ذكراه الحادية والعشرين

الاستاذ فتحي البلعاوي ابو غسان "ابو الوطنية" ملأ الدنيا منذ شبابه المبكر حمل فلسطين في قلبه وعقله، شارك في المظاهرات وكان له دور بارز في قيادة المظاهرات الشعبية ضد التوطين وكان اول نقيب للمعلمين الفلسطينيين. صعد المنابر متحدثاً عن فلسطين وباسمها، لوحق واعتقل في سبيلها وما بدّل تبديلا.... من مؤسسي حركة فتح ورعيلها الاول. وهو الذي كتب الى ياسر عرفات رفيق مسيرته: (كثر مستشاروك وقل ناصحوك).

ابعد عن مصر خلال دراسته في خمسينيات القرن الماضي بسب نشاطه السياسي ضمن اتحاد طلبة فلسطين وحركة الاخوان المسلمين كان من أعلام الفكر التربوي ومربيا كبيرا، ألّف أربعين كتابا في علوم اللغة العربية وآدابها خلال عمله على مدى ما يقارب الثلاثين عاما في دولة قطر بالإضافة الى عمله في الاعلام، مرةً اخرى يتعرض للإبعاد الى تونس بسبب حرب الخليج، وبعدها الى ارض الوطن مع عودة السلطة الوطنية متابعاً طريقه في المجال التربوي ولكن القدر والمرض لم يمهلاه حتى يرى فلسطين المحررة كما ارادها دائماً ولبى نداء ربه في ٢٣ حزيران عام ١٩٩٦.

أينما حلّ كان شعلة من النشاط يفيض حيوية وانشراحاً ويأسر من حوله. فارساً من فرسان فلسطين، تمسك بتراث شعبه وحفظ تاريخه عن ظاهر قلب مدافع صلب عن حقوق شعبه.

قابلته في الدوحة عام ١٩٧٧ اول مرة خلال مشاركتي في مؤتمر اقليمي لمنظمة الصحة العالمية. عندما علم بوجودي جاءني الفندق وعندما التقينا عانقني بقوة وحرارة وعيناه تدمعان وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، وحدثني عن معاناته وكم كان يتألم وهو يتابع حصار مخيم تل الزعتر وطلب مني ان احدّثه عن معركة تل الزعتر والحصار الجائر. كان يتابع حديثي ويبدو شديد التأثر وعلى وجهه ملامح الانفعال الممزوجة بالحزن. في اليوم التالي أقام مأدبة غداء دعى اليها أفراد الجالية الفلسطينية. كنت اتساءل لماذا يطلقون عليه "ابو الوطنية"، وعرفت ذلك من خلال لقائنا حيث كانت العبارة الشهيرة التي يستعملها كثيراً مع محدثيه: "خلّي عندك شوية وطنية". تواصلنا بعدها بالهاتف اكثر من مرة خلال وجوده في قطر، وكانت المرة الاخيرة عام ١٩٨٧ عندما كنا جالسين مع الأخ القائد ابوعمار في ابو ظبي خلال زيارة قصيرة له في طريقه الى الهند، ويومها جاء من يقول ان "ابو غسان" يرقد في العناية الفائقة في احد المستشفيات نتيجة نوبة قلبية وفجأة تغيرت ملامح ابوعمار وارتسمت على وجهه مسحة من الحزن وطلب فوراً ان يجري الاتصال به والاطمئنان عن صحته وتحدث ابو غسان بصوته الجهوري مطمئناً ابو عمار على صحته، وتحدثت معه بعدها وتلك كانت المرة الاخيرة، بعدها هاجرت الى النرويج ولم نتواصل.

رحم الله "ابو غسان "رائداً كبيراً من رواد الحركة الوطنية الفلسطينية على مدى اكثر من أربعين عاماً ومربيا وعلماً من أعلام اللغة العربية، كان يقدس فكرة الجهاد والشهادة في سبيل الوطن. كم نفتقدك يا "ابا الوطنية" في هذه الأيام المظلمة وما أشد حاجتنا اليه فارساً ومشعلاً من مشاعل النضال يضيء الطريق نحو الوطن. ويحضرني في هذا المقام بيت شعر:

ما أشرقت في الكون أيُّ حضارةٍ  إلا وكانت من ضياء معلم

لأسرة عاشق الوطن "ابو غسان"، لأولاده وأحفاده ومحبيه وتلامذته ولجميع ابناء شعبنا اقول علينا جميعا ان نفخر بأننا عشنا في زمن "ابو الوطنية"، وان أمثاله لا يموتون فان ذكراهم خالدة في الذاكرة الجماعية لشعبنا.

طوبى لتراب بلعا التي احتضنت ابنها البار حيث كان له ما أرادفي ذكراه الحادية والعشرين

"ابو الوطنية"... رجل من ذلك الزمان

بقلم: الدكتور يوسف عراقي - النرويج

الاستاذ فتحي البلعاوي ابو غسان "ابو الوطنية" ملأ الدنيا منذ شبابه المبكر حمل فلسطين في قلبه وعقله، شارك في المظاهرات وكان له دور بارز في قيادة المظاهرات الشعبية ضد التوطين وكان اول نقيب للمعلمين الفلسطينيين. صعد المنابر متحدثاً عن فلسطين وباسمها، لوحق واعتقل في سبيلها وما بدّل تبديلا.... من مؤسسي حركة فتح ورعيلها الاول. وهو الذي كتب الى ياسر عرفات رفيق مسيرته: (كثر مستشاروك وقل ناصحوك).

ابعد عن مصر خلال دراسته في خمسينيات القرن الماضي بسب نشاطه السياسي ضمن اتحاد طلبة فلسطين وحركة الاخوان المسلمين كان من أعلام الفكر التربوي ومربيا كبيرا، ألّف أربعين كتابا في علوم اللغة العربية وآدابها خلال عمله على مدى ما يقارب الثلاثين عاما في دولة قطر بالإضافة الى عمله في الاعلام، مرةً اخرى يتعرض للإبعاد الى تونس بسبب حرب الخليج، وبعدها الى ارض الوطن مع عودة السلطة الوطنية متابعاً طريقه في المجال التربوي ولكن القدر والمرض لم يمهلاه حتى يرى فلسطين المحررة كما ارادها دائماً ولبى نداء ربه في ٢٣ حزيران عام ١٩٩٦.

أينما حلّ كان شعلة من النشاط يفيض حيوية وانشراحاً ويأسر من حوله. فارساً من فرسان فلسطين، تمسك بتراث شعبه وحفظ تاريخه عن ظاهر قلب مدافع صلب عن حقوق شعبه.

قابلته في الدوحة عام ١٩٧٧ اول مرة خلال مشاركتي في مؤتمر اقليمي لمنظمة الصحة العالمية. عندما علم بوجودي جاءني الفندق وعندما التقينا عانقني بقوة وحرارة وعيناه تدمعان وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، وحدثني عن معاناته وكم كان يتألم وهو يتابع حصار مخيم تل الزعتر وطلب مني ان احدّثه عن معركة تل الزعتر والحصار الجائر. كان يتابع حديثي ويبدو شديد التأثر وعلى وجهه ملامح الانفعال الممزوجة بالحزن. في اليوم التالي أقام مأدبة غداء دعى اليها أفراد الجالية الفلسطينية. كنت اتساءل لماذا يطلقون عليه "ابو الوطنية"، وعرفت ذلك من خلال لقائنا حيث كانت العبارة الشهيرة التي يستعملها كثيراً مع محدثيه: "خلّي عندك شوية وطنية". تواصلنا بعدها بالهاتف اكثر من مرة خلال وجوده في قطر، وكانت المرة الاخيرة عام ١٩٨٧ عندما كنا جالسين مع الأخ القائد ابوعمار في ابو ظبي خلال زيارة قصيرة له في طريقه الى الهند، ويومها جاء من يقول ان "ابو غسان" يرقد في العناية الفائقة في احد المستشفيات نتيجة نوبة قلبية وفجأة تغيرت ملامح ابوعمار وارتسمت على وجهه مسحة من الحزن وطلب فوراً ان يجري الاتصال به والاطمئنان عن صحته وتحدث ابو غسان بصوته الجهوري مطمئناً ابو عمار على صحته، وتحدثت معه بعدها وتلك كانت المرة الاخيرة، بعدها هاجرت الى النرويج ولم نتواصل.

رحم الله "ابو غسان "رائداً كبيراً من رواد الحركة الوطنية الفلسطينية على مدى اكثر من أربعين عاماً ومربيا وعلماً من أعلام اللغة العربية، كان يقدس فكرة الجهاد والشهادة في سبيل الوطن. كم نفتقدك يا "ابا الوطنية" في هذه الأيام المظلمة وما أشد حاجتنا اليه فارساً ومشعلاً من مشاعل النضال يضيء الطريق نحو الوطن. ويحضرني في هذا المقام بيت شعر:

ما أشرقت في الكون أيُّ حضارةٍ  إلا وكانت من ضياء معلم

لأسرة عاشق الوطن "ابو غسان"، لأولاده وأحفاده ومحبيه وتلامذته ولجميع ابناء شعبنا اقول علينا جميعا ان نفخر بأننا عشنا في زمن "ابو الوطنية"، وان أمثاله لا يموتون فان ذكراهم خالدة في الذاكرة الجماعية لشعبنا.

طوبى لتراب بلعا التي احتضنت ابنها البار حيث كان له ما أراد

- النرويج