عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 حزيران 2017

من بيدر الحياة - رمضانيات 2017

عبد السلام العابد

(22)

ما أجمل وقوف الإنسان إلى جانب أخيه الإنسان!، يساعده على تحمل مشاق الحياة وصعوباتها، ويخفف من معاناته، ويقضي حاجته. ونحن الآن في أواخر أيام الشهر الفضيل، علينا أن نبادر جميعا إلى فعل الخيرات، وتقديم الصدقات الواجبة على مستحقيها؛ حتى يشعر الناس كلهم بالمحبة والتعاون والمودة، قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة ً تطهرهم، وتزكيهم بها)، وفي أية أخرى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، ويقول محمد صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النّار). وهذا علي ٌ ابن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: (إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع َ فقير ٌ إلا بما مُتَّعَ بّه ِ غني).

 (23)

يفتح أبو زياد عينيه صباحاً، يتذكر حلماً رآه الليلة في منامه. ينهض سريعاً، يغسل وجهه، ويذهب إلى بيت عماد، بناءً على طلب أبيه الميت الذي رآه في منامه.

يرن الجرس فيأتيه صوت من الداخل: تفضل. يدخل البيت، ويتساءل عماد مندهشاً: ما سبب زيارة أبي زياد الصباحية المفاجئة. يقول أبو زياد: يا عماد، رأيت أباك في الحلم، وهو يقول لك إن عليه ديناً في البلدة المجاورة، وعليكم أن تقوموا بسداده بسرعة ؛ حتى يستريح.

يذهب عماد إلى البلدة المجاورة، ويسأل عن الشخص المعني، ويسدد دين أبيه، بعد أن يتأكد من الموضوع تماماً.

يعود أبو زياد إلى بيته، وهو يشعر بالراحة والطمأنينة، بعد أنْ أدَى الأمانة التي كلفه بها صديقه المتوفى.

يسهر أبو زياد مع أفراد أسرته، وسط أجواء من السعادة والانسجام، حتى يغلبهم النعاس. يأوي إلى فراشه، وينام ويغرق في سبات عميق..

في الصباح.. ينهض أفراد الأسرة كلهم، لكنَ أبا زياد.. لم ينهض.. فقد أسلم روحه إلى بارئه، وانتقل إلى الملكوت الأعلى.

 (24)

قال أحد الحكماء: اهرب حيث شئت فَ.. ( إنَّ إلى ربك الرجعى)، واعمل ما شئت، فهناك كتاب (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها). فما دمت تقر أيها الإنسان، بهذه الحقيقة الإيمانية الراسخة، فأمامك طريقان في حياتك، الأولى تؤدي بك إلى السعادة والرضا، والثانية توصلك إلى التعاسة والشقاء، في دنياك وآخرتك، فلماذا لا تختار الطريق الأولى... طريق الخير والهداية والصلاح؟، ولماذا لا تبتعد عن طريق الشر والتعاسة والشقاء؟!

على الإنسان العاقل أن يعيد تجديد حياته، وان يتوقف مليا ًمع نفسه، وأن يحاسبها على أقواله وأفعاله، قبل أن يتعرض للحساب، حيث لا ينفع الندم بعد ذلك. عليه أن يكون جريئا، فيقول: هنا أخطأت، وعليّ أن أصوب هذا الخطأ. لقد ظلمت أناسا ً كثيرين، وآن لي أن أعيد لهم حقوقهم التي انتزعتها منهم. لقد قصّرت بواجباتي، ولم أقم بأداء رسالتي في الحياة. وعلي ّأن أغير هذا النهج السلبي، وأن أكون إنسانا ً ايجابيا ًومواطنا ًصالحا ً.وعلي َأن أتذكر دائماً، أنني لست خالداً مخلدا ًفي هذه الحياة، فالعمرُ أيام، وسنوات تمر، وتمضي، ولا يبقى إلا الأثر، سواء أكان ايجابيا ًأو سلبيا ً. فلماذا لا أترك الأثر الطيب، والذكر الحسن، والعمل النافع، والسيرة العطرة؟!.

قد يضحك الإنسان على أخيه الإنسان، ويظلمه، ويكذب عليه، وينتزع حقوقه، ويسبب له المآسي والشرور، ولكنه بالتأكيد لن يسلم، ولن يرتاح، وفي حالة غيابه عن هذه الحياة، فإنه سيظل حاملا ً سيرته إن خيرا ً فخير، وإن شرا ً فشر، وسيبقى الناس يذكرونه بأعماله، فيترحمون عليه، أو يطلبون له الغفران.

وإذا ما انتهى أجله، فإن المآل والمصير إلى الله سبحانه وتعالى الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وهناك في الدار الآخرة سيجد أمامه كتاب أعماله منشورا، وسيتفاجأ، بأن هذا الكتاب (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها). وإذا كانت الأجهزة الحديثة قادرة على أن تسجل في ذاكرتها كل شيء، وهي من صنع البشر، فكيف بصنع الخالق عز وجل؟.

(25)

شهرُ رمضان الكريم يقضي أيامه الأخيرة، وها هو يطوي طقوسه الجميلة، ويبتسم لنا ويودعنا ملوحا بيديه الكريمتين، شاكرا ً لنا حسن استقباله، ومحتسبا ً عند الله تعالى للصائمات والصائمين الأجر الجزيل، والثواب العظيم، وجنات النعيم،حيث الراحة الأزلية، والسكينة السرمدية.

سريعا ً، يغادرنا رمضان.. هذا الشهر العظيم الذي أُنزِل فيه القرآنُ هدىً للناس، وبيناتٍ من الهدى والفرقان، فيا لسعادة مَنْ صامَ أيامه، وأقام لياليه، بالصلاة والتسبيح، والإيمان والخشوع!!

إن انتصار الإنسان على شهوات الجسد، وتحدي الجوع والعطش، والوقت الطويل والحر الشديد مصدر كبير للثقة بالنفس وللفرح الإنساني، وكيف لا يفرح المؤمن، وهو يدرك تماما ً أنّ الصوم عبادة لله سبحانه وتعالى، وأنّ جزاء الصائمين هو الجنة؟. يزورنا في السنة مرة، ويحمل معه الخير والفرح والعطاء،والرحمة والمغفرة، والسعادة الدنيوية والأخروية، يتعلم المؤمن من الصوم الصلابة والقوة والقدرة على المواجهة، والصبر عند الشدائد، ويقاوم نزعات الشر، وهوى الجسد، يعلمه الصدق مع النفس، والاستقامة في السر والعلن، وتهذيب السلوك، ورقي الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، المتمثلة في صلة الأرحام، وإسعاد الآباء والأمهات، والزوجات والشقيقات والبنات والأبناء والأصدقاء، وحب الناس، والعطف عليهم، والرأفة والرحمة بهم، والتواصل الاجتماعي معهم.

الصوم يعلم الإنسان حب الخير والعطاء، والالتزام بالوقت، وعدم إهداره، وكذلك التخلص من العادات السيئة، والصفات الذميمة، عدا عن الفوائد الصحية الكبيرة للنفس والجسد في آن معاً.

 في الطفولة البريئة، كنا ُنشبّه رمضان، بإنسان عظيم، له قامة طويلة ومُهابة، يبدأ أيامه الأولى طفلا ً صغيرا ً، ثم يصبح شابا ً كبيرا ً، ثم يشيخ في نهاية أيامه، ويبدأ جسده بالغرق رويدا ً...رويدا ً

في بحر واسع..ولا تبقى في دقائقه الأخيرة، إلا رقبته الطويلة ورأسه، الذي سرعان ما يغيب، لحظة أذان المغرب الأخير، على أمل العودة مرة ثانية في العام الجديد القادم.

كنا نشيع رمضان الحبيب، بالأناشيد الحزينة، ونغني:...

 ( مات..مات رمضان...لا والله سلامته

جيبوا من حشيش الواد وحطوا على قامته ).