عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 21 حزيران 2017

من بيدر الحياة ..رمضانيات 2017

عبد السلام العابد

 (19) 
تتلألأ البيوت الفلسطينية بأنوار المصابيح الكهربائية، وحبال الزينة المضيئة في ليالي رمضان، فتشكل مناظر بهيجة، تشرح القلب وتسر الخاطر. والناظر إلى بيوتنا ليلا، يلحظ جمالا ً وأناقة ً وتآلفا ً وتعاونا ً في مقاومة العتمة، ونشر مساحات الضوء في بلادنا.
وفي ليالي رمضان البهية، يطيب لي أن استمتع بجمال قرانا ومدننا المنتشرة على حواف مرج ابن عامر، وسلسلة الجبال التي تشكل دائرة أرضية ً مشعة ً بالأنوار. أرى هذه المشاهد، وأتذكر ما حل بوطننا من مآس ٍ ونكبات، ولكنّ إنسان هذه الأرض ظل مقيما ً صامدا ً فيها، يتحدى ويقاوم العقبات، ويصمد ويحب الحياة، ما استطاع إليها سبيلا... يتعلم...يعمل...يبني أسرة ً...ويقيم مؤسسة ً، ويزرع أرضا ً يحبها، ويواصل مسيرة الحياة، وأتذكر في الوقت ذاته أبناء شعبنا اللاجئين الذين أجبروا على الهجرة والرحيل، والابتعاد القسري عن هذه القرى والمدن التي بقيت عامرة ً بأهلها، وبيوتها التي تتحدى ظلمة الليل الأسود، بالنور والضوء والإشراق. فطوبى لمن أشعل شمعة ً وأضاء سراجا ً، وأنار شارعا ً وبلادا ً ووطنا؛ لنبقى في أحضانه ثابتين.. آمنين..! 
 (20) 
أغلق الباب بإحكام، وأخرج حقيبته الكبيرة، وفتحها ونثر ما فيها من نقود ٍ كثيرة، وقال مخاطبا ً نفسه: هذه أموالي التي جنيتها من تعبي وسهري وتجارتي...إنها تعد بالآلاف المؤلفة، ولدي ّ رصيدٌ في البنوك، وأراض ٍ وعقارات، ولكنني لا أشعر بالسعادة، ها قد كبرت وهرمت وأولادي أغنياء، ولكنني أشعر في داخلي بألم ومرارة ٍ، وحزن وندامة. إنني مؤمن، أصوم وأصلي، وأديت فريضة الحج، ولكنني أعترف أنني أحب المال حبا ً جما، وأن نفسي لا تطاوعني على الصدقة والإنفاق... بصراحة... أنا لا أزكي مالي...!! أيها المال، الماثل أمامي على شكل رزم ٍ تعلوها رزم، أنت من ستكون سببا ً لشقائي في الدنيا والآخرة. أنا مؤمن حقا ً ولكنني أتجاهل ركنا ً مهما ً ورئيسيا ً وهو الزكاة التي أمرنا الله بتأديتها، ومحك الإنسان الغني الزكاة الواجبة، فإذا أداها سلم وإذا منعها ندم أشد الندامة، وتذكر الآية القرآنية:( إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجرٌ عظيم). وفي أيةٍ أخرى:( وما يغني عنه مالُه إذا تردى). أجل علي َّ أن أتخذ القرار الآن. 
أعاد ترتيب نقوده في الحقيبة، وهو يقول في نفسه: لن أسمح لك أيها المال الزائل، أن تكون سببا ً لعذابي في الدنيا والآخرة. في صباح اليوم التالي، ذهب إلى صديقه المؤتمن، العالم بأمور الدين والدنيا، وطلب منه استخراج ما يترتب عليه من أموال الزكاة كحق ٍ معلوم، وواجب للمستحقين. ابتسم صديقه وقال: الحمد لله أنْ هداك لهذا الأمر، قبل فوات الأوان، قال رسولنا محمد عليه السلام: ( ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبستَ فأبليت، أو تصدقتَ فأبقيت ). وقال الشاعر:
إذا كنتَ ذا مال ٍ فجُدْ بهِ //// فإنّ كريمَ القومِ مَنْ هو باذل ُ
 وقال شاعرٌ آخر: 
وخيرُ مالِ الفتى مال ٌ يصونُ به //// عِرضا ً ويُنفقُه في صالحِ العمل ِ 
 (21) 
قرأت في الصحافة قصة الكولومبي خوسيه ألبيرتو، وأعجبتني أيّما إعجاب، ولا تظنّن، أيها القارئ العزيز، أن هذا الرجل الخمسيني زعيم ٌ وقائدٌ سياسي كبير، بل إنه مواطن ٌ عادي، يعمل سائقا ً لشاحنة ٍ تجمع النفايات. 
لاحظ هذا الرجل أن المواطنين في العاصمة الكولومبية، يلقون الكتب في النفايات، فما كان منه إلا أن بدأ بجمع هذه الكتب وتنظيفها، والاحتفاظ بها في بيته، ومع مرور الشهور والسنوات، تكونت على يديه مكتبة ضخمة أفرد لها غرفا ً خاصة في بيتهِ الكائن في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة، وسرعان ما بدأ سكان الحي بالمجيء إلى بيته، واستعارة الكتب من مكتبته التي أطلق عليها اسم (مكتبة قوة الكلمات ).
وذاع صيت خوسيه البيرتو الذي أطلق عليه الناس هناك لقب سيد الكتب،وأصبح ضيفا ً مرحبا ً به في معارض الكتب التي تنظم في وطنه وخارجه ؛ كي يتحدث عن تجربته. ويقول خوسيه: إن زوجته وأفراد أسرته يهتمون بهذه المكتبة ويرتبونها ويتابعونها بشكل دائم، وعن سبب تعلقه بالكتاب، رغم أنه لم يتخرج في المدارس والجامعات يقول: إن أمه ُ هي التي شجعته على حب الكتاب والقراءة، مذ كان طفلا ً صغيرا ً، حيث كانت تقرأ له قصص الأطفال. 
تحية لخوسيه البيرتو، وحبذا لو أننا نتعلم من تجربته،و نجد في بلادنا العربية أمثاله، بل كم نتمنى لو أن القائمين على مؤسساتنا يهتمون بإنشاء المكتبات العامة وتفعيلها بشكل ممتاز؛ ليستفيد منها المواطنون.