علاقة العوام مع الحكام.. وسبل الوصول إلى المنال"
المحامي د. إيهاب عمرو
يلاحظ أن العوام، أي عامة الناس، في العالم النامي عموماً وفي العالم العربي خصوصاً دائمو الشكوى من حكامهم بسبب ودون سبب، متناسين قصداً أو دون قصد ما يعتريهم، أي العوام، من مثالب لو عملوا على إصلاحها لكان خيراً لهم وأقوم. ويحدث ذلك أيضاً في بعض دول شرق أوروبا وإن بدرجات متفاوتة وبأساليب مختلفة.
ولا يقصد من هذه المقالة الدفاع عن طبقة الحكام في العالم النامي الذين يصعب الدفاع عن سياساتهم في بعض الأحيان، ولكن القصد هو تنبيه العوام إلى خطورة ما يقومون به من تصرفات وأفعال.
ولعله من المفيد في هذا السياق الإشارة إلى أن المشكلة تكمن أيضاً في العوام أنفسهم الذين ينساق بعضهم أحياناً "كقطيع أغنام" وراء أقاويل وإشاعات ومشاريع مشبوهة هدفها تفتيت المنطقة العربية والعودة بها إلى الخلف مئات الأعوام، كما حدث أثناء فترة ما يسمى الربيع العربي الذي لم يكن ربيعاً ولا عربياً، مع التأكيد على أن النتائج الناشئة عنه كانت كارثية على المنطقة العربية لا زلنا نعايشها لغاية الآن ولن تزول آثارها بسهولة خلال العقود القادمة.
كما أنهم، أي العوام، ينساقون وراء رغباتهم المحمومة مثل جمع المال وبناء المنازل وشراء السيارات وغيرها أيضاً من الكماليات على حساب تعزيز قيم المجتمع الأكثر أهمية مثل العمل على تجسيد مبدأ المشاركة المجتمعية في صنع القرار، والعمل كذلك على تعزيز العمل الطوعي في الحقول كافة ما يساهم في خلق حاضنة إجتماعية جماعية.
وغالباً ما يقوم العوام بكيل الاتهامات للآخرين جزافاً بسبب أو دون سبب سواء كانوا من أبناء جلدتهم أو من غير أبناء جلدتهم، فتارة تراهم يسبون الحكام، وتارة تراهم يسبون الغرب محقين وغير محقين ويعبترونه سبب خراب بيوتهم، مبرئين أنفسهم مما وصل له حال المنطقة العربية والمجتمعات العربية، رغم أنهم، أي العوام، يتحملون جزءاً من ذلك بسبب انشغالهم بجمع المال على حساب جمع المعرفة، وبسبب انشغالهم ببناء وتجهيز المنازل على حساب بناء وإعداد النفس، وانشغالهم على الدوام بأحاديث ليس لها قيمة تذكر بدلاً من انشغالهم بالقراءة وتعزيز الثقافة الشخصية والعامة ما يمكنهم من مناقشة السياسات الحكومية بأسلوب علمي ومهني يعود بالنفع عليهم. ناهيك عن انشغالهم، وافتعالهم في بعض الأحيان، خلافات جانبية طويلة المدى مع جيرانهم وزملائهم في العمل وحتى مع أقرباء لهم، لو تم التدقيق فيها لوجدنا أن أسبابها تافهة ويمكن حلها بسهولة.
وتكمن المشكلة أيضاً في مركب النقص الكامن لدى بعض العوام فاقدي البوصلة بسبب ضعف الثقافة العامة وضعف القدرة على التحليل كذلك ورؤية الوقائع والأمور ضمن سياقها الطبيعي والصحيح. ولعل ذلك يفسر الحالة التي وصلت لها المنطقة العربية، إضافة إلى أسباب موضوعية وخارجية أخرى، بسبب الشرذمة والفرقة التي تعاني منها الشعوب العربية قاطبة، وبسبب ضعف التنمية الإقتصادية ما سبب تباطؤ في النمو الإقتصادي في معظم الدول العربية وما تبع ذلك من إزدياد نسبة البطالة وتنامي مشكلة الفقر. إضافة إلى عدم القضاء على مشكلة الأمية في العالم العربي، مع ملاحظة أن غير الأميين لا يداومون على القراءة وفقاً لإحصائية أجريت قبل عدة أعوام وأشارت إلى أن نسبة القارئين في العالم العربي لا تتجاوز 2%.
يقيناً يمكن القول إن العوام في العالم العربي جزء من المشكلة وبأيديهم الحل. ويكمن الحل في خلق ثقافة مجتمعية حديثة تراعي تربية الأطفال داخل المنازل بشكل حضاري وعلمي منفتح على الآخر المختلف. إضافة إلى ضرورة قيام العوام بتعزيز ثقافتهم العامة ما يمكنهم من المشاركة أو القدرة على المناقشة الفاعلة لأية خطوات أو سياسات لاحقة تخص مستقبلهم ومستقبل أبناءهم وبناتهم. إضافة إلى ضرورة قيامهم بإيلاء إهتمام أكبر لقضايا مجتمعية ملحة عوضاً عن الإهتمام منقطع النظير بأمورهم الحياتية اليومية على أهميتها. ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال عدم السعي وراء مصدر رزقهم، إنما المقصود إحداث نوع من التوازن الإيجابي بين رغباتهم وحاجاتهم الأساسية دون مبالغة من جهة، وبين مصالح المجتمع العليا من جهة أخرى. وقال سبحانه وتعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".