من بيدر الحياة
رمضانيات 2017 عبد السلام العابد
(5)
تجلس في بيتها، وتستعيد ذكرياتها، وتحدث نفسها: هذا أول رمضان يأتي دون أن يكون ابني الحبيب معي. يا له من فراق مرير! ويا له من غياب طويل!.
لم يبق لها من أفراد أسرتها إلا ابنها الحبيب الغالي... يزين البيت الصغير، ويضيء حجراته المتواضعة بضحكاته وابتساماته، وأحاديثه الحلوة الدافئة.
غاب زوجها غيبته الأبدية، وترك في قلبها آلام الرحيل والحنين... تتذكر عذاباتها وأحزان الأسرة، حينما غيبت السجون ابنها أربع سنوات طوال، كانت تمر عليها الليالي وهي تفكر بابنها الأسير.. حينما تهب الرياح الباردة، كانت تجلس في فراشها، وتقول: هل تشعر بالبرد يا حبيبي؟.
وكانت تطلق الدعوات الصالحات مع هبات الرياح العاصفة... زارته في السجون كلها.. وكانت فرحتها كبيرة عندما أطلقوا سراحه.. وقالت: الآن يمتلئ بيتي... الآن يدخل الفرح.. وتدخل السعادة... فرحت، حين أكد لها أنه عازم على الخطبة والزواج...أطلقت زغرودة فرح. وقالت: لا أصدق نفسي! وأخيراً وافقت.. سأخطب لك الفتاة التي تريدها بأسرع وقت.
تتذكر السهرات الحلوة، والأحاديث الجميلة والدافئة.. ولا سيما قبل النوم.. كان ينام إلى جانبي في الحجرة ذاتها.. يسهر على راحتي، ويحضر لي الأدوية وكل ما أحتاج إليه.
في تلك الليلة الشتوية السوداء، حاصروا الحارة والبيوت، سمعنا الأصوات المزعجة، فخرجنا لنستوضح الأمر، ففوجئنا بهم، امسكوا به، كان يصرخ في وجوههم مستنكراً ما يفعلونه.. أطلقوا عليه رصاصات قاتلة... ورأيت جسده النحيل يهوي على الأرض، صرخت، بكيت، واحتضنت الغالي الحبيب...وعانقت روحه..!.
( 6)
يتناولون سحورهم، ويصلّون الفجر، وينطلقون إلى حقولهم الخضراء، يقطفون ثمار الخيار، ويعبئونه بأكياس بيضاء، ويرسلونها إلى مراكز البيع. أراهم وأنا متوجه إلى عملي كل صباح، منتشرين في الحقول، نساء ً ورجالاً...قاماتهم محنية، وكأنهم يستمدون القوة والعزيمة من الأرض الفلسطينية المعطاء التي علمتهم حب الخير والحنو والعزة والصبر والكرامة. شمس النهار الرمضاني تسطع من فوقهم مرسلة ضوءها شديد الحرارة، ولكنهم يتحدّون الحر والجوع والعطش والتعب، متسلحين بالصبر، على أمل أن يكسبوا لقمة العيش الشريفة لهم ولبناتهم وأولادهم الذين يتعلمون في رياض الأطفال والمدارس والجامعات؛ ليتسلحوا بالعلم والمعرفة والثقافة.
تحية محبة واعتزاز وتقدير لعشاق الوطن الحقيقيين الرائعين، وبوركت جهودُكن أخواتنا، وجهودكم أعزاءنا، يا من تجسدون انتماءكم وحبكم لهذه الأرض الغالية بالزراعة والعمل والإنتاج والخير الوفير.
(7)
وحدهن من يعملن في بيوتهن ومطابخهن، بعيد عصر كل يوم ٍ رمضاني طويل وشديد الحرارة، ينام الأولاد، ويأوي الرجال إلى أسرتهم، ويغطون في نوم ٍ عميق. يحضرن ما لذ وطاب من الطعام المتنوع الشهي، ويمزجنه مع محبتهن وشوقهن؛ كي يقدمنه عن طيب خاطر لأسرهن والضيوف، حينما يجتمعون على الفطور بعد أذان المغرب.
يا أمهاتنا...أخواتنا.... زوجاتنا...بناتنا، لكن الشكر والمحبة والتقدير، فأنتن اللواتي تجسدن قيم الانتماء والإخلاص والتضحية، وانتن من تجعلن وطننا وحياتنا أكثر بهجة ً وروعة ً وإشراقا ً....
وكل يوم وأنتن بخير وسعادة هناء.
(8)
هناك مواطنون أعزاء لا يفطرون مع أسرهم في مساءات رمضان الجميلة؛ لأن ظروف عملهم تقتضي منهم البقاء في أماكن أعمالهم، فهم يضحون من أجل القيام بواجبهم أولا، وخدمة ً لمواطنينا الكرام ثانياً. باقة ورد عطرة لكل من يتحملون عبء الإفطار الرمضاني، بعيدا ًعن بيوتهم، ويقومون بأداء واجبهم الوطني النبيل، بأمانة ومحبة وانتماء وإخلاص. قال تعالى: "وقل أعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
(9)
نكاد نسمع كل يوم ٍ أخبارا ً مؤلمة ًعن الشجارات العائلية وحوادث القتل التي يروح ضحيتها مواطنون أبرياء، نحن بأمس الحاجة لوجودهم معنا؛ ليشاركوا في البقاء والصمود في فلسطين، ويساهموا في مرحلة البناء، إلى جانب أفراد أسرهم وشعبهم. ومن المحزن أن هذه الشجارات المدانة تكثر في شهر رمضان المبارك...شهر الرحمة والمغفرة والعتق من عذاب جهنم.
أدرك تماما ً أن الغالبية العظمى من شعبنا الأبي يرفض هذا الواقع المأساوي، ولا يقبله ولكن، ويا للأسف...! هناك أفراد ٌ يعشش الإجرام في نفوسهم الطافحة بالأحقاد السوداء، فتراهم يعمدون إلى عضلاتهم المفتولة،وقبضاتهم الغليظة، وأسلحتهم غير الشريفة، فيوسعون خصومهم... إخوتهم وأحباءهم، وأبناء شعبهم ضربا ًوفتكا ً، دون وازع ٍ من خلق أو ضمير أو عرف أو دين، حتى يزهقوا أرواحهم البريئة التي تصعد إلى بارئها العظيم شاكية ً ظلم هؤلاء القساة. قال تعالى: (من قتل نفسا ً بغير نفس ٍ أو فساد ٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً).
ما أشدّ مرارةَ القتل والإجرام في الدنيا والآخرة! حزن وقلق وهم وتعب ٌ وعناء وشقاء، وتشتيت للأسر وخراب بيوت كانت أمنة ً مطمئنة. اللهم أبعد الشرور والأشرار عن وطننا وشعبنا، ومتعنا بالأمن والأمان يا كريم.