عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 11 حزيران 2017

نهار بيروتي

تغريدة الصباح - حنان باكير

لبيروت نكهة مختلفة، وأمزجة متنوعة تبعد عنك الرتابة والروتين. ففي كل خطوة ينقلب مزاجك ويتأرجح بين مشاعر متنوعة. تضحك، تغضب، تيأس، تستعيد الأمل.. هنا لا يعرف المرء الرتابة التي تثقل على الروح.
أدركت هذا الأمر، وانعكس على مزاجي، حين بدأت التفكير في اختيار موضوع تغريدتي. ففي بيروت أنسى كل شيء، الا أني في بيروت! مشاهد ولوحات كثيرة برزت في ذهني، وتنازعتني أمزجة مختلفة، فارتأيت رسم بعض المشاهد، والتنقل بين أمزجة مختلفة، في يوم واحد من أيام بيروت.
في منزل البروفيسور في الجامعة الأميركية، صالح آغا، اجتمع لفيف من العكيين. وصالح هو أيضا عكاوي معتق. جمعتنا صداقة نقية، ورثناها عن أهلنا، وجيرتهم من أيام عكا، حتى بيروت.. لا نختلف في الآراء كثيرا، ومع ذلك فنحن كـ "الديوك"،لا نكفّ عن "المناقرة"، على كل شيء. في تلك الجلسة استحضرنا روح عكا، مستفيدين من وجود "أبو هاني"، يروي لنا ذكرياته عن المدينة. وما زال يحتفظ بذاكرة طازجة، تستحضر بسهولة لافتة، المدينة بأدق تفاصيل زواريبها وحاراتها. وقد اعتدت اللقاء به، كلما كنت في بيروت.
لفتني حديثه، عن الكلب الذي قام الإنجليز بتربيته في سجن القلعة.. اعتاد الكلب أن ينبح "بالمقلوب"، حين يقترب موعد عملية إعدام. لم يُدرب على ذلك، لكنه مع العشرة والوقت، أصبح أرق قلبا وأكثر تعاطفا مع المظلومين، مستشعرا ظلما ترفضه الكلاب، ولا يحرك مشاعر البشر. ذات مرة اقتيد رجل من آل "الدبّاح"، للإعدام. لحظ الجنود الإنجليز، أن الكلب لم ينبح، انتظروا وانتظروا.. ولم ينبح! فقرروا العفو عن الرجل، وأطلق سراحه، فكان بقاؤه حيا بسبب كلب، تماما مثلما كان الفضل في حياة المتشائل بسبب حمار، على ذمة اميل حبيبي. الرجل الذي أنجاه كلب من حبل المشنقة، تمنى لاحقا، لو أنه أعدم ولم يشهد نكبة الرحيل القسري.
ويتذكر أبو هاني، اليهودي الفلسطيني "زكي"، الذي عاش في عكا. كان "سنكريا"، عرفته كل البيوت العكية، يدخلها وكأنها بيته، وصار خبيرا في كل الأعطال التي يواجهونها في بيوتهم. في العام 1948، وبعد اشتداد المعارك، كان يدور على البيوت العكية باكيا وراجيا منهم، البقاء في عكا وعدم مغادرتها، دموع زكي اليهودي الفلسطيني، أيضا ما زالت ماثلة في مخيلة "ابو هاني". 
في التاكسي، الى منطقة الكولا، ونحن ما زلنا في منطقة بيروت. تم تحويل السير، بسبب اغلاق أحد الطرق الرئيسية، لوجود منزل مسؤول من خارج بيروت. فيغضب السائق، وينهال بالشتم على الزعيم وجماعته، مكررا، بيروت للبيروتيين فقط، وعليه الرحيل منها. آلمني الأمر. بدّلت التاكسي من منطقة الكولا الى برج البراجنة. وعند طلعة جامعة بيروت العربية، يشاهد السائق صورة زعيم بيروتي، فينهال بالشتم عليه وعلى جماعته، فهو من خرّب البلد! فينقبض القلب. هل وصلنا الى منزلق التقسيم النفسي والمعنوي، الذي قد يؤدي الى تقسيم جغرافي لا سمح الله!
في معمل الخياط/ الفنان، أبو يوسف، المعروف بروعة تصميماته ودقته وأناقته في العمل، أتحلل من إزعاج السائقين.. يحكي أبو يوسف، بداية علاقته بالفلسطينيين وذكرياته معهم. ويقول أنه لبناني، لكنه يعتبر نفسه إبن "جورة التراشحا في مخيم برج البراجنة" كان يقفز عن سور البيت، الذي يفصله عن المخيم، ليقضي جل نهاره مع أصدقائه من المخيم، وما زال يذكر أسماءهم.
وتنثال ذكرياته، فيحكي عن أخيه الكبير، الذي جاء، ذات يوم الى أبيه سائلا "يا بيّ ليش الفلسطيني بيكفر كتير؟" فيجيبه الأب: إذهب في جولة في مخيم البرج، وبعدها أجيبك! يغيب الإبن ساعة من الزمن، ثم يعود مطأطىء الرأس صامتا. فيقول الأب: هل تريد الجواب؟ لا يا بيّ " أبي" باللكنة اللبنانية.. لقد عرفته! يتابع الأب: هيدول الناس، يا ابني، لم يولدوا في الخيام، وهناك ليس بعيدا من هنا.. كان لهم حقول زيتون وبيارات برتقال! 
ليلا.. أعود الى البيت. وأعني ليل ذلك اليوم الطويل. سائق التاكسي يثرثر معي. ويعقد مقارنة ومفاضلة بين الفلسطينيين والسوريين. مكيلا المدائح للأولين، والهجوم الشرس على الآخرين، ومذكرا بالرخاء الذي عرفوه في زمن الشهيد "أبو عمار". ثرثرته هذه هي لأزمة أكثر المجالس هنا. لم أشاركه الثرثرة، فقط قلت له: أدع الله، حتى يحمي لبنان، من مجيء قوم يجعلكم تترحمون على الوجود السوري الذي فاق طاقة بلد الجمال!