من بيدر الحياة .. من ذاكرة حزيران
عبد السلام العابد
... وبادر العم صالح إلى الاشتراك في سرد ذكرياته وقال: أما أنا، فقد كان عمري خمس عشرة سنة، وما زلت أتذكر تفاصيل يوم الخامس من حزيران عام سبعة وستين.
كنت في حقلنا أساعد أهلي في موسم حصاد القمح. كان الجو حارا، فذهبت إلى ماسورة الماء؛ كي أبترد بالماء المنعش، وأملأ الشَرْبة الفخارية الكبيرة ؛ ليطفئ الحاصدون عطشهم. وتعرفون أن قريتنا الجميلة مَنّ الله عليها بستة آبار ارتوازية غزيرة المياه وعذبة كانت تسد حاجات البلدة، والأهالي في القرى المجاورة، وتروي الحقول المزروعة بكل أنواع الخضر والفواكه. غسلت يديّ ووجهي وبللت رأسي، وملأت الشَرْبة، وعدت إلى أهلي، وما أن بلوا عروقهم، حتى جاء مَنْ يخبرنا، بانطلاق دبابات المحتلين عبر مرج ابن عامر، وتقدمها السريع نحو الجنوب والشرق؛ لاحتلال جنين والقرى المجاورة.
وضعنا مناجلنا في العريشة، وأغلقنا بابها ومشينا باتجاه بيتنا، فيما كان رجالٌ يحملون بنادقهم، ويتقدمون بهمة ونشاط؛ للدفاع عن القرية والتصدي للقوات الغازية، فيما كان آخرون ينقلون الطعام والشراب للجنود العرب، وما أن وصلنا البيت، حتى وجدنا بقية أفراد الأسرة والجيران، قد استعدوا لمغادرة الحارة والبيوت، وعلامات الخوف والقلق بادية على وجوههم.
كانت المغارة التي التجأنا إليها تقع أسفل بيت واسع، يتكون من ثلاثة عقود متلاصقة، بالقرب من البيادر التي كانت تضم أكواما كبيرة من القمح والشعير والعدس. كنا نشاهد الطائرات الحربية على ارتفاع منخفض، فيما كانت أصواتها المزعجة تصم الآذان، وزاد هلعنا حينما بدأنا نسمع هدير الدبابات، وأصوات القذائف، وأزيز الرصاص، وفجأة سمعنا ضربة صاروخية قوية، تسببت في انهيار سقف أحد العقود.
كان الشاب خالد الطالب المجتهد، ذو الابتسامة المشرقة، والوجه الأسمر المستبشر يجلس في صدر المغارة، إلى جانب عمه، وفجأة دخلت بقايا قذيفة، واستقرت في جسده النحيل،، فيما اشتعلت النار بقمباز عمه الأبيض. سادت المغارة الكئيبة أجواءُ رعبٍ وخوف وموجاتٌ من الصياح والعويل. أطفأ الرجال النيران المشتعلة بعم خالد، وحاولوا إسعاف الشاب، لكنه أسلم الروح إلى الخالق عز وجل. بكت أمه بحرقة، ووقعَتْ مغشيا عليها، وانهار أبوه، وبكاه أخوته وشقيقاته، وكلُّ منْ كان موجودا في المكان، وانتظروا الفرصة المناسبة؛ لتشييع جثمانه الطاهر، وتحسروا على شبابه الغض الذي كان ينتظره مستقبلٌ واعد.
وقال عادل: صباح يوم الاثنين الخامس من حزيران، كنت أقرأ دروسي في مدخل مدينة جنين الغربي؛ استعداداً لامتحان المترك. رأيت حركة غير معتادة، وتحليقاً للطائرات، فتوجهت مسرعاً نحو بيتي في المدينة التي نسكنها؛ بسبب عمل والدي هناك. قلت لأمي: اشتعلت الحرب، وعلينا أنْ نذهب إلى قريتنا بسرعة قبل أنْ تتعرض المدينة للحصار. قالت: أنا لن أخرج، سأنتظر أباك، أما أنت فخذ أخوتك الصغار، وتوجَه بهم نحو القرية وبسرعة. وعندما يحضر أبوك، سنأتي معاً على جناح السرعة.
اصطحبت أخوتي الصغار، وانطلقنا من المدينة مشياً على الأقدام، حتى وصلنا إلى بيتنا، وانضممنا إلى أقاربنا الذين تجمعوا في مغارة تحت البيت.
جاء عمي وقال: هذه المغارة غير آمنة، وهي قريبة من الطريق، وأنا كنت أسمع أصواتكم، اتركوا هذا المكان، وتعالوا إلى مكان آخر. خرجنا مع عمنا الذي أدخلنا في مغارة أخرى. كان الرجال الكبار يخرجون في بعض لحظات الهدوء، ويطلبون منا نحن الأطفال التسلل إلى بيوتنا القريبة وإحضار الماء والطعام. كنت وبسبب الخوف والرعب، أشعر أن المسافة بعيدة جداً، مع أنها لا تبعد أمتاراً عدة.
طوال عدة أيام، كنت قلقاً على أبي وأمي في المدينة، وكان عليّ أن أطمئن عليهما، وأن أتسلل إلى بيتنا في جنين، مهما كانت الصعوبات. قلت لصديقي: ما رأيك بالتسلل إلى المدينة؛ للاطمئنان على الوالدين؟. أجاب: سأرافقك وأطمئن أيضاً أنا على أخي الذي كان يعمل في المدينة، ولم يعد حتى الآن. لم نكن نقدر حجم الصعوبات والمخاطر، فقد كنا في الخامسة عشرة من العمر. انطلقنا من القرية قبل بزوغ الشمس، ومشينا شرقاً عبر جبال القرية وهضابها. كان الهدوء شاملاً، لا وجود للرعاة وأغنامهم، ولا لأحد موجود هناك. ولم نكن نسمع إلا صرير الجنادب، وأصوات أقدامنا وهي تدب بين الحجارة والأشواك، وهي تقفز من سلسلة إلى أخرى. وصلنا مشارف المدينة، فلمحنا الدبابات. وانتظرنا حتى تحركت وتابعنا سيرنا. كانت جنين تحت منع التجول، ورأينا الجنود وهم ينتشرون، وأردنا أن نقطع آخر شارع، ولكننا فوجئنا بالجنود، فدخلنا أحد البيوت، ورحب بنا أهل البيت. وقالوا: انتظروا؛ حتى يبتعد الجنود وواصلوا سيركما بعد ذلك.
ودعنا الأسرة الكريمة، وتسللنا بسرعة نحو بيتنا. فوجدنا الوالد والوالدة وابن عمي هناك. حمدنا الله على سلامتهم، وانتظرنا فرصة إعلان رفع حالة منع التجول، وانطلقنا مسرعين نحو القرية.
ـــ من مخطوطة كتاب ( حرب... وطفولة ) الذي لم يُنشرْ بعد للكاتب.