عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 أيار 2017

نحو تأسيس مسرح قومي فلسطيني

ايهاب عمرو

من المعلوم أن ديمومة الحركة الثقافية والفنية تعد من أهم المسائل التي يجب أن تضطلع بها المؤسسات الرسمية ذات العلاقة، خصوصاً وزارات الثقافة في مختلف دول العالم، بسبب الدور المهم للمثقفين والفنانين في مجتمعات العالم كافة، ما يعكس صورة حضارية عن الشعوب والمجتمعات بواسطة مخاطبة الآخرين بلغة حضارية يفهمونها.                                     

في فلسطين، يلاحظ عدم قيام وزارة الثقافة بالدورة المنوط بها –حسب بعض المختصين- في دعم الحركة الفنية والثقافية بشكل فاعل ومؤثر، وعدم قيامها كذلك بتخصيص موارد كافية لدعم الحركة الفنية والثفافية، خصوصاً ما تعلق منها بالمسرح الفلسطيني، رغم توفر بعض الموارد والمنح الخارجية –على حد علمنا- التي يمكن تخصيصها لدعم الحركة الفنية والثقافية، والتي يتم توظيفها في بعض الحالات في نشاطات ليست ذات فائدة عملية للحركة الثقافية والفنية مثل إقامة المهرجانات وحفلات التكريم، على قلتها وأهميتها.                                                      

ولاحظنا أثناء الجدل الذي ثار حول رواية "جريمة في رام الله" الدور المهم لوزارة الثقافة في الدفاع عن الرواية وكاتبها رغم هبوط مستوى الرواية من ناحية أدبية -حسب المختصين- ما دفع رئيس تحرير جريدة الحياة الجديدة الأستاذ محمود أبو الهيجاء إلى وصفها بأنها جريمة بحق الأدب. ومع تقديرنا لحرية الرأي والحق في التعبير كحريات وحقوق دستورية، إلا أنه يتعين على وزارة الثقافة من باب أولى أن تنشغل بأمور أكثر أهمية تشغل بال الحركة الفنية والثقافية وتساهم في دعمها وتثبيت ركائزها مثل التوجه نحو تأسيس مسرح قومي (وطني) فلسطيني يساهم في العمل على إيجاد حلول عملية للمشكلات التي تعاني منها الحركة المسرحية في فلسطين.                                    

ومع إدراكنا العميق بأن تأسيس مسرح قومي فلسطيني ليس من مسؤولية وزارة الثقافة وحدها، إنما يقع أيضاً على عاتق جهات رسمية أخرى مثل وزارات: السياحة، المالية، الحكم المحلي، التربية والتعليم، وجهات غير رسمية أيضاً مثل رابطة المسرحيين والاتحاد العام للفنانين، إلا أنه لا بد من التأكيد على أن المطالبة بتأسيس مسرح قومي في فلسطين أسوة بدول عربية وغربية أخرى تعد من أكثر المطالب التي تشغل بال الحركة الثقافية والفنية، كون ذلك سوف يساهم دون شك في تنشيط وإثراء الحركة المسرحية، خصوصاً بعد الحركة المسرحية الحديثة التي تستوجب إنشاء فرقة مسرح قومي فلسطيني يقع على عاتقها تقديم عروض مسرحية للكبار والصغار، وتمثيل فلسطين في المهرجانات المحلية والعربية والدولية من أجل إظهار واجهتنا الحضارية من ناحية فنية وثقافية.                      

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن إنشاء فرقة مسرح قومي في فلسطين لا يتعارض مع المحاولات والتجارب التي تقوم بها الفرق المسرحية الخاصة حالياً، إنما الهدف منه هو العمل على تمثيل فلسطين في المحافل المحلية والعربية والدولية الفنية، كما أسلفنا، مع التأكيد على ضرورة قيام وزارة الثقافة بدورها في دعم الفرق المسرحية الخاصة أيضاً ما يساهم في إيجاد الأسس المتينة التي تضمن ديمومة الحركة الثقافية والفنية والمسرحية.                                            

في سبيل ذلك، يتعين على وزارة الثقافة الاهتمام بالمسرح الفلسطيني ودعم الفرق المسرحية سواء كانت تقدم عروضاَ مسرحية للكبار أو للصغار حتى تكون رافداً للمسرح القومي حال إنشائه نظراً للدور المهم الذي يضطلع به المسرح في المجتمعات المتحضرة، وذلك للعمل على إيجاد المناخات الطبيعية والصحية التي تمكن تلك الفرق المسرحية من تأدية أعمالها على الوجه الأكمل، خصوصاً ما تعلق منها بالعمل مع الجهات المختصة على ترميم المسارح الموجودة حتى تكون جاهزة للعروض المسرحية متى دعت الحاجة لذلك. كذلك، نرى ضرورة قيام وزارة الثقافة بدورها المنوط بها بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم لتسهيل عروض الفرق المسرحية في المدارس الحكومية تحديداً، بعيداً عن الإجراءات البيروقراطية المتبعة حالياً.                                                        

ويستوجب تأسيس مسرح قومي في فلسطين العمل على إيجاد مكان مسرحي ملائم خصوصاً في ظل غياب الأماكن الكبيرة التي تصلح أن تشكل مسرحا في فلسطين ما يساهم في دعم الفرق المسرحية والرعيل الأول من المسرحيين أيضاً بعد عطاء وتاريخ طويل من أجل المساهمة -ما أمكن- في استمرارية المسرح الفلسطيني وقيامه بدوره المنوط به على الوجه المأمول. إضافة إلى أن ذلك يشكل تكريماً أيضاً للمسرحيين من الرعيل الأول الذين من حقهم أن يكون لديهم مسرح قومي مزدهر ومنفتح على ثقافات وشعوب العالم كباقي شعوب العالم.                                                

ومع تقديرنا للظروف القائمة إلا أنه لا يمكن التذرع دائماً بتلك الظروف أو شح الموارد المالية كذريعة لعدم أخذ تلك المطالبات بعين الاعتبار، خصوصاً أن بعض تلك الموارد المالية وحسب مشاهدتنا الأولية يتم تخصيصها لإقامة المهرجانات الفنية وحفلات التكريم على قلتها وأهميتها، في حين أنه يمكن توجيه تلك الموارد المالية باتجاه تأسيس مسرح قومي فاعل وقادر على النهوض بالحركة المسرحية الفلسطينية، خصوصاً أن تأسيس مسرح قومي يستوجب إيجاد مكان واسع وملائم مزود بأحدث أجهزة الصوت والإضاءة كذلك، إضافة إلى المقاعد المريحة، وذلك حتى يكون المسرح القومي ليس فقط بناء مادي بل بناء فكري أيضاً يجمع شتات الحركة المسرحية الفلسطينية بروادها الأوائل ما يمكن الأجيال الشابة الناشئة من الإستفادة من الرعيل المسرحي الأول من أصحاب الخبرة ودراسة مختلف أنواع الفنون، ومن ضمنها المسرح، ما يضمن بقاء المسرح وإستمراريته بحيث ينمو ضمن حاضنة طبيعية في أرضه ووطنه عبر إعطائه البعد الإنساني والوطني والحضاري ومستلزمات البقاء الأخرى مثل العمل على إيجاد الكفاءات البشرية التي تحتاج إلى التواجد في مكان ملائم، وتوفير المعاشات الضرورية لأعضاء المسرح القومي حال تأسيسه، ما يساهم في تأكيد حضورنا في أرضنا وعلى ترابنا الوطني.                 

لذلك، يتعين على وزارة الثقافة والجهات الرسمية الأخرى ذات العلاقة العمل على توفير تلك الموارد المالية وإيجاد البدائل اللازمة التي تضمن العمل على تجسيد فكرة تأسيس مسرح قومي فلسطيني في الواقع العملي ما يترك أثراً بالغاً وتأثيراً كبيراً للأجيال القادمة.                              

ختاماً، لا بد من الإشارة إلى أن تأسيس مسرح قومي وطني فلسطيني سوف يساهم دن شك في تشجيع الطلاب والطالبات على دراسة الفنون بشكل عام، والمسرح بشكل خاص، ما يساعد في تشجيع المواهب الناشئة التي تحتاج الدعم والمساندة. إضافة إلى أن تأسيس مسرح قومي في فلسطين سوف يساهم في إنشاء ثقافة مجتمعية محفزة لدراسة مختلف أنواع الفنون، ومن ضمنها المسرح، عوضاً أن تكون طاردة لتلك الدراسات ما يساهم في إقناع الناس بأهمية دور الحركة الفنية والمسرحية في المجتمع المتحضر.