عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 28 أيار 2017

تغريدة الصباح - حنان باكير

معمودية حب

أن تبدأ حكاية عشق بالدم. وتعمّد افتتاح ذاكرة مكان بقربان وبخور، وصوت ناي حزين، يستيقظ في داخلك، فتدرك أن حلمك بدأ مكسورا. وأن الحبيب دربه طويل وشائك، فتتذكر حكايا جدتك، حين يقطع العاشق سبعة بحار، ويواجه الغول بكل أهواله ومشاكساته. فتوشك على التراجع، تجمع في حقيبة سفرك، كل الحنين  والشوق، وكل ما حملته معك، من ذاكرة لها شسوع الكون، لتعود أدراجك من حيث أتيت. لكنك سرعان ما تتراجع عن هذا الشعور المباغت، الذي سببه الصدمة الأولى، فأنت هنا صرت في ديار أحبابك.
في غرفة الفندق، وحال وصولك، تسرع نحو النافذة وتفتحها.. تطلق عنان نظرات عطشى صوب التلال الخضراء، وتحشد أكبر قدر ممكن من الهواء الربيعي، لتملأ به رئتيك. لكن يقطع النفس الطويل، زعيق سيارة شرطة وصفير سيارة إسعاف.. ويأتي من يقول لك: قتلوا طفلا. وببلاهة ينطلق منك سؤال أحمق متهور: مين.. مين..؟ وكأنك لا تدري أن الصالب والمصلوب لم يتغيرا! فينشج القلب: يا شعبي يا عود الندّ/ يا أغلى من روحي عندي/ إنا باقون على العهد..
في الخليل.. تنثر أول دموعك على الروابي الخضر. أنت لم تأت هنا لتتذكر، فلا ذاكرة لك، الا ما قرأت في الكتب، وما شاهدت في الأخبار، وما قرأت في المرويات التوراتية.. فهنا بكى ابراهيم الخليل، لملك الفلسطينيين عفرون بن صوعر، كي يبيعه متر أرض ليدفن زوجته سارة، من أمامه. فمنحه مغارة المكفيلة التي طلب، ومعها الحقل.. سفر التكوين، "الإصحاح الثالث والعشرون".
هنا تستحضر تراجيديا الحرم الابراهيمي. الإذلال اليومي، هو قهر معنوي وجسدي، لا يقل وجعا وإيلاما عن زهق الأرواح. وحين تناديك دروب الخليل، تخرج إليها بكامل حبك وغضبك. تسير ناثرا الحب والدموع. تلقي التحية على السائرين في الطرقات. لا تستثني منهم أحدا، نساء ورجالا. يسألونك من أين أنت، بعد التيقن من لكنتك الفلسطينية. يستحلفونك أن تكون ضيفهم على وجبة الغداء. ليس لديك ما يكفي من الوقت، فتقول لك المرأة بطيبة وحماسة: أمانة عليكم، راح نتغدى من حواضر البيت!
صاحب دكان التذكارات، يدعوك الى "كاسة شاي"، ويقدم لك تذكارا، رافضا قبض ثمنه. تتحدث مع أحدهم، فيتجمهر الناس حولك، يسألونك من أنت ومن أين قدمت.. بحرارة يستقبلونك، تسألهم عن الأحوال، فتستمع الى عذابات يومية، صارت عندهم كالهواء والخبز اليومي. أن تشاهد المعاناة في التلفاز شيء، وأن تراها رأي العين شيء آخر، هنا تسري القشعريرة في دمك وجسدك.. تنتهي المحادثات عادة، بتمنيات العودة وجمع الشمل. تدخل دكانا لشراء قنينة ماء باردة، بعد أن جف حلقك. ترى فتاة تشتري ما يشتريه وما يشتهيه الأطفال من الدكاكين. تقول لها: اشتر كل ما تشتهين، وتقول للبائع بأنك ستدفع حساب الطفلة.. فتنتفض عليك وتثور: أنا معي مصاري وما حدا بدفع عني! ما أورعك يا طفلتي، وما أغباني، حولني حبكم الى بلهاء لا تحسن التصرف. 
أمام احدى المدارس، تتحدث مع طالبتين، فيتجمهر حولك  العديد من الطالبات المنصرفات الى بيوتهن. تستمع الى ما يروقهن وما لا يروقهن في أوضاعهن المعيشية والدراسية. تسألك إحداهن إن كنت مسلما، فتهز رأسك مستنكرا ذلك السؤال. تقرّب شريان يدك من شريان يدها، وتقول لها: الدم يوحدنا وليس الدين. تعتذر منك مع وعد بعدم توجيه هذا السؤال لأحد، فتحضنها وتقبل رأسها. بعض الطالبات يقتربن منك طمعا في غمرة حب يستشعرنه يملأ روحك ويفيض!
صاحب معمل الزجاج الملون، يسمح لك بالمشاهدة والتصوير. ويحكي لك حكاية المعمل الذي بلغ عمره الثلاثمائة سنة. وهو متمسك به، وسيرثه أبناؤه من بعده. 
صاحب معمل الفخار، يحفظ وصية والده: يا ابني لو ماتوا ولادك من الجوع ما تبيع محلك! ويدعوك بإلحاح لشرب فنجان قهوة. تروقك الفكرة. روحه المرحة، تشجعك على سؤاله: لماذا يوصف الإنسان الخليلي، بالعناد والرأس اليابس؟ يضحك من أعماقه ويجيبك: خيتا قوليها بالفلسطيني المشبرح: ليش الخليلي تيس؟! تشاركهم الضحك وتقول له حاشا الله! يضيف: نعم نحنا راسنا يابس ولهيك متيسين وصامدين بأرضنا. 
يقول لك الذي كان يراقبك معظم الوقت: لو كانت هناك كاميرا خفية، لخالك المشاهد، هاربة من عصفورية، أي مستشفى المجانين. فتجيبه: ومن قال لك إننا لسنا مجانين بحب أرضنا وشعبنا! تغادر المدينة، التي لا يجوع فيها إنسان، وقد بللها مطر ربيعي انهمر من بين جفنيك!