عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 أيار 2017

تغريدة الصباح - حنان باكير

عصر خيانة التاريخ

بين الخيانة والأمانة الوطنية خيط رفيع. ورغم الفارق بين النقيضين، الا أن إشكالية العلاقة تبقى قائمة. لست الآن في مجال التفلسف، وتعريف الخيانة وأشكالها وتسمياتها وشروطها.. لكن ما لفت انتباهي قبل فترة قصيرة، الزوبعة التي أثارتها، شائعة دفن قائد جيش لبنان الجنوبي في قريته الجنوبية، كما أوصى بذلك قبل وفاته، والاعتراض على دفنه كان، بسبب خيانته لوطنه، بالتعامل مع دولة محتلة.

وجيش لبنان الجنوبي هو الميليشيا التي أنشأها الجيش الإسرائيلي، في جنوب لبنان إثر احتلاله. وقد عرف بالقسوة والعنف، تجاه شعبه، ولا سيما في الجنوب اللبناني، كما عرف بولائه وإخلاصه لإسرائيل. من وجهة نظره، كان تعاونه مع العدو، انطلاقا من موقف "وطني" لحماية وطنه من الفلسطينيين. لكنه انتهى قبل أن يؤمن حتى حماية نفسه وجماعته، الذين لم يحظوا الا بالإهمال من أسيادهم. بعد انتهاء مهمتهم، وانتهوا "مشعتلين"، في بلاد الله الواسعة.

وكنت قد قرأت قبل سنوات، مقتطفات من كتاب لـ بول بريمر، الذي كان في فترة زمنية معلومة، الحاكم بأمر الله في العراق. قرأت رأيه بالقيادات العراقية التي تعاونت مع الاحتلال الأميركي للعراق، وكيف وصفهم بأبشع الصفات، يتحدث عنهم بما لا يليق بأي بشري عادي. ولم يشفع لهم الدور الأساسي لهم في الغطاء السياسي والعسكري، والتحريض على احتلال العراق، والوصول الى الواقع الحالي المؤلم.

وفي التاريخ الأبعد قليلا، تستوقفنا ظاهرة، الجنرال النرويجي "فيدكن كويسلنغ". الذي عاصر وعرف هتلر، وأراد أن يكون "فوهررا نرويجيا". شجع الألمان على احتلال بلاده، من منطلق "وطني"، فقد أراده وطنا نرويجيا نقيا، بلا غرباء ولا دخلاء. وأثناء الاحتلال النازي للنرويج سنة 1940، أعلن نفسه رئيس وزراء لبلده. ورغم ذلك لم ينجح حزبه الصغير، في الحصول على مقعد في البرلمان، وسرعان ما أسقطه الشعب، وحكم عليه بالإعدام. تم تنفيذ الحكم سنة 1945. ثم تحول اسم كويسلنغ الى مرادف لكلمة خائن وعميل، في الثقافة النرويجية الوطنية.

فأين هو الحد الفاصل بين الوطنية والخيانة، من وجهة نظر الاستقواء بقوى خارجية، لمصلحة الأوطان والحفاظ عليها، وبين اعتبارها خيانة! وهذا ليس تبريرا للخيانة، التي تستر عريها بغطاء الوطنية.

خيانة جديدة نشهدها وبقوة، وقد تكون الأشد والأكثر خطرا.. انها تزوير التاريخ وتحريفه. بعد قيام الدولة العبرية، جمع بن غوريون العلماء والمثقفين، وخاطبهم.. أنا صنعت وقدمت لكم الدولة، وعليكم صناعة تاريخ لها! ومن الضفة الأخرى، بدأت حملة تشويه تاريخنا، من خلال المسلسلات. مسلسل قيامة البنادق، تعتبر الخالصة مستعمرة منذ العام 1912.. حيث تم بيعها!

وفي وقت، أحوج ما نكون فيه لتدوين ذاكرتنا وحفظها، في هذا الوقت تبرز أقلام تحاول السير على خطى "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين. الذين نبشوا في التاريخ المظلم للعصابات الصهيونية. وما اقترفته من مجازر، لم تكن معروفة. بعض هؤلاء المؤرخين، تاب واعتذر عن جهوده خلال عشرين عاما، مثل بني موريس.

جاء الآن، دور كتابنا للنبش في أسباب نكبة العام 1948، وتحميل الشعب المظلوم مسؤولية النكبة، وتعاون طبقة منهم، مع العصابات الصهيونية، لحماية أرزاقهم وممتلكاتهم، وهذا أيضا تشبه وسير على خطى من اتهم بعض الشخصيات الصهيونية، بالتعاون مع الغستابو، لإنقاذ أرواح أقاربهم واصدقائهم.. ومثالها قضية كوستنر! وأذكر هنا بكاتب كبير، كلفته مؤسسة أوروبية بإجراء استفتاء بين الفلسطينيين في الأردن عن حق العودة. وكانت النتيجة أن لا أحد يريد العودة، بمن فيهم سكان المخيمات. وبعد جدل بيننا وصل حد الصراخ، قال وبكل وقاحة: خلص.. أنا أعرف ما الذي تريد أن تسمعه تلك المؤسسة، فأعطيتهم ما يريدون، فأسعدتهم، وأنا سعدت بالمال الذي دخل الى جيبي.

يحكى أن نابليون بونابرت، استعمل جاسوسا في احدى غزواته. قدم الجاسوس خدمات كبيرة للجيش الفرنسي. وحين جاء الى نابليون، لقبض ثمن أتعابه، قذف له نابليون كيس المال على الأرض. فالتقطه، وأراد مصافحته. لكنه رفض قائلا: لا أصافح خائنا لوطنه!