عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 24 نيسان 2017

شخصيات تبحث عن ذاتها في مجموعة "أوجاعي كلها" لبسمة النسور

مع الحياة - فتحي البس

حافظت بسمة النسور في مجموعتها القصصية الأخيرة على وفائها لفن السرد الذي اختارته لنفسها منذ البداية. جاءت "أوجاعي كلها" التي صدرت حديثا تتويجا لست مجموعات سابقة فصلت بين كل منها مسافة زمنية واسعة: 
نحو الوراء (مجموعة قصصية) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1991. اعتياد الأشياء (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 1994. قبل الأوان بكثير (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 1999. النجوم لا تسرد الحكايات (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 2002. مزيداً من الوحشة (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 2006.، "خاتم في مياه بعيدة"، قصص قصيرة جدا،عن دار التنوخي المغربية 2009.
بسمة، المحامية ، ومديرة بيت تايكي الثقافي، ورئيسة تحرير مجلة تايكي للإبداع النسوي لعدة سنوات، لم تنقطع عن الكتابة من خلال مقالاتها في عدة صحف ومواقع، بل تابعت بعين فاحصة نقدية تحوّلات الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، بأسلوبها الرشيق المعتاد في قصصها القصيرة: النص ّالمركّز البعيد عن الحشو، التوازن بين الشخصيات والأحدات، متابعة تأثير البيئة المحيطة عليها،المعالجة النفسية لشخصياتها دون التركيز على السببية في تطور النص والحبكة، بل الغوص عميقا في توصيف الحالة وترك المتلقي للتفاعل مع الشخصية، ومشاركته بغضب أو رضى، بتوافق أو رفض، لما يطرحه النص من قضايا تشغل الناس على اختلاف رؤاهم أو طبقاتهم الاجتماعية.
ضمت "أوجاعي كلّها" اثنتي عشرة قصة قصيرة، أولّها "ما تيسر من الزقزقة" وآخرها "تفاصيل البشر القبيحة". في الأولى، الشخصية الرئيسة امرأة ضجرة، كثيرة التذمر، غريبة الأطوار، بليدة السمات، تردد في الفراغ شتائمها غير اللائقة، قلقة دائما، تعتقد بأن الموت مرض كسائر الأمراض لم تتوصل البشرية إلى علاج له حتى الآن، مما يتيح وهم الخلود وجعله قابلا للتصديق، تضج نفسها بأفكار كثيرة في بيئة أبدعت الكاتبة في وصفها: ليلة فائضة الحرارة، دبقة الهواء، يتعطل فيها التلفاز، فتكتشف هدير الصمت ورداءة الصناعات الصينية غير الثقيلة، وتشرب قهوة ثقيلة خالية من السكر، فتكتشف أن روحها مثقلة بالأسئلة والتوجّس والريبة والفضول، تنتظر طلّة الصباح، حيث الأشياء تبدو أجمل، ثمة عصفور أهبل يظهر حائرا يطرق بابها، لكنه لا يستجيب لمحاولتها إطلاق سراحه إلى فضاء الحرية، تتأمل الوجود بغبطة يؤنسها صخب جيران يتناولون بطيخة حلوة، "فتفرح على نحو غامض لهذا المشهد وتحب الحياة اكثر".
في "تفاصيل البشر القبيحة" امرأة تعتذر لطبيبها عن تأخرها عن موعده، لتغوص في سرد أسباب مرضها المستعصي،اصطكاك أسنانها، الذي تسببه تفاصيل البشر البغيضة، مما يجعلها لا تستجيب لنصائح الطبيب التي تنص على أن علاجها هو في التخلي عن إنسانيتها المفرطة والتوقف عن رصدها لحالات البشر المزعجة، فتتساءل كيف تتجاوز عن أزمة السير التي يتجاهلها الشرطي المكلّف بتنظيمها لأنه ضجر ويكتب نصّا ما على هاتفه، لا تلومه لأنه يقضي ساعات عمل طويلة براتب ضئيل، وكيف لا تتضامن مع المستضعفين، وتغض ّ النظر عن سلوك التحرش بها وعن ذلك المسؤول السابق منتفخ الأوداج، ثقيل الظل الذي تحوّل إلى معارض شرس بعد استنفاده وأفراد عائلته وأنسبائه المناصب المتاحة كلها في الدولة، وكيف تتجاوز عن فداحة الأضرار التي تسببها القنوات الفضائية....لتصل في النهاية إلى سؤالها الوجودي لطبيبها: إن هي ضبطت إنفعالاتها واستكانت الى مقولة "فخار يكسر بعضه "، وصدّقت ما قالته شقيقتها المتدينة "الظلم الظاهر عدل باطن "، وعادت إلى موسيقاها الكلاسيكية الهادئة وقادت سيارتها بهدوء وبرمجت نفسها على أن الحياة وردية زاهية، وتهتم فقط بشؤونها الخاصة، لماذا تظل أسنانها تصطك؟.
في بقية القصص: فنجان قهوة عند الجارة، حالات البحر الميت، تأكيد الخديعة، يوم في حياة امرأة دائمة الشرود،الرجل الذي يحلم أنه ميّت، الجانب المظلم من شخصيتي، روحي حين كفت عن الهدير، حين نسي صاحبنا الموبايل، أوجاعي كلها، تعرض بسمة النسور حيوات رجال ونساء،وأماكن وبيئات مختلفة،يسيطر على الشخصيات فيها قلق الوجود والإحساس بالتهميش وعدم الجدوى والغضب من كل شيء، وقتامة الأزمان والأمكنة، وأسئلة الحيرة، والبحث عن الدور في حياة لا تعطي يقينا أو راحة، يسيطر فيها الهشّ والزيف والنفاق والخديعة، ومحاولة كل شخصيات القصص الوصول إلى حالة القدرة على التكيف والتعايش، بحثا عن أي ضوء مهما كان خافتا، يبعث على الأمل.
قصص المجموعة كلّها مليئة بالمعلومات البيئية والصفات الشخصية، لا تعتمد الحدث كأساس، بل المونولوج الداخلي، وتداعيات الأحاسيس والأفكار التي تستبد بالشخصية الرئيسية التي تضيئها شخصيات ثانوية، فتكشف ما يعتريها من كآبة أو حكمة أو رؤيا أو سبل مواجهة أو نقاط ضعف وقوة، لتصل إلى بعض من سكينة الروح.
نجحت بسمة النسور،كما هو مفترض في كاتب القصة البارع، في نقل القارئ إلى حياة القصة بتصوير الشخصيات في حالاتها الطبيعية وتفاعلها العميق مع البيئة سواء كانت بشرا أو مكانا أو زمنا. وتفوقت في نقل قلق شخصياتها إلى روح القارئ وفكره، ودفعه لتفهم أسباب هذا القلق، فالقارئ يصادف في حياته اليومية مثل هذه الشخصيات، ويعيش انفعالاتها، فيتفاقم غضبه بعد القراءة، فيفكر ليس فقط بالتفهم وإنما أيضا بالعمل على الخلاص.
أهدت بسمة النسور مجموعتها إلى إخوتها في القلق، من مشرق الأرض إلى مغربها، وهذا يضمنا جميعا، فجعلتنا نعيشه ونهجس به ونبحث في دواخلنا عن أسبابه، ونسعى إلى بعض من سكينة الروح، على أمل جعل الحياة أجمل وبالقدرة على التعايش مع "أوجاعنا كلها."