عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 نيسان 2017

عــلامـــات على الطريق - جردة حساب ضد الانقسام

يحيى رباح

بعد شهرين من الآن، سيبلغ عمر الانقسام الفلسطيني عشر سنوات بالتمام و الكمال، و هذا الانقسام الذي هو أبشع البشاعات في التاريخ الفلسطيني لأنه ضد كل الأولويات الفلسطينية، وصل إلى حالته الإشكالية الكاملة، و أنتج نفسه بطريقة تفوق كل أوهام الذين تورطوا فيه من حركة حماس بنزق و ضيق أفق حتى إنهم سلموا تماماً بعجزهم المطلق عن النجاة منه، بل يواصلون الخضوع له و التوغل في متاهاته و الارتهان لخياراته التي تتناقض كلياً مع المسار و المصير الفلسطيني.

و أخطر مدى وصل إليه الانقسام أنه بدأ ضد الأولويات الفلسطينية و انتهى إلى أن يكون ضد أولويات حماس نفسها، و الدليل القطعي على ذلك أن حماس التي كانت تطمح إلى ارتقاء مكانتها في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين و هو في عز قوته، أصبحت ملحقة بانصياع تام بأولوياته بشكل مطلق بعد أن حلت به الهزيمة القاسية، و بعد وصوله و لو بالتحايل إلى حكم مصر، و حيث كشف هو نفسه أنه لا يملك أدنى أهلية أو برنامجا حقيقيا ليحكم مصر، و أن الهزيمة التي لحقت به كانت بديهية.

و من ينظر إلى قطاع غزة خلال هذه العشر سنوات، لابد أن يتملكه الإحباط، فهذا الشريط الضيق من الأرض المحصور بين الماء و الصحراء، لعب في تاريخ القضية أدواراً إعجازية، تأسست فيه الحركة الوطنية من قلب النكبة، و تأسست فيه حركة الفدائيين الأولى في منتصف الخمسينيات على يد ضابط خارق من ضباط مصر أيام عبد الناصر و هو الشهيد مصطفى حافظ، و انطلقت منه الشرارات الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة على يد خليل الوزير "أبو جهاد" الذي نحتفي الآن بذكرى استشهاده، و أسقط المشروع التآمري القديم الجديد و هو مشروع دفن فلسطين في رمال صحراء سيناء، مشروع الإسكان و التوطين الذي كان على رأس إسقاطه فتحي البلعاوي و معين بسيسو، و أعطى للثورة المعاصرة إبداعات خارقة، و تجلت فيه الانتفاضة الأولى التي انطلقت من مخيم جباليا بكل روحها و قيمها المدهشة، و أعطى الولاء  و الدعم لفلسطين رغم المصاعب المستحيلة، و كان يتفتح بكل الود كمكون رئيسي من مكونات القيامة الفلسطينية، إلا أن جاء الانقسام الأسود على مزيد من الأوهام و الأولويات الشاذة التي لا تمت إلى أنسابنا بأي صلة.

أزمة حماس تكمن في أنها كل يوم تكتشف أن الشرعية الفلسطينية أرحم بها من كل ماعداها من الموسوسين، لأن هؤلاء يوسوسون بالباطل و ينظرون إلى القضية بأنها فرصة ثمينة للاستخدام و ليس العطاء، و هؤلاء طريقهم مغلق و أفقهم يأس، خذلوا و أعطوا المصائب التي يتسببون بها أسماء جميلة مستعارة.

بعد عشر سنوات، تبدو مشكلة حماس مع نفسها أكثر من مشكلتها مع الآخرين، و لكن أهل قطاع غزة الذين يبلغ عددهم الآن أكثر من مليوني إنسان هم الذين يدفعون الثمن و يكتوون بالنار، و كل الحرائق التي تشعلها حماس يطفئونها بأصابعهم و بضروراتهم الحيوية التي أوشكت أن تصل إلى حد المستحيل، و لكن لابد من متابعة الأمل، فالانقسام هو عار بكل معاني الكلمة، و هو ضعف بينما نحن نتلمس القوة في مقاومتنا لاحتلال متوحش في سياساته و قواعده الفكرية، الانقسام ظلم عظيم لشعبنا، و اعتداء على صورته الحقيقية، و إلحاق الأذى به بدون مبرر و لذلك فإن فتح الطريق مع حماس لمحاولة جديدة للمصالحة، و عرض الأولويات الفلسطينية بأنها عنوان المستقبل، و إصرارا الشرعية الفلسطينية على احترام الاستحقاقات الوطنية مثل الانتخابات بكل مستوياتها هو طاقة أمل جديد ينفتح، و ياليت أن حماس لا تواصل الهروب، و لا تختبئ من الحضن الوطني بأحضان الأعداء و المنافقين، نتمى أن تستجيب حماس و تخرج من قوقعة الارتهان العدمي للأوهام الملونة.