تغريدة الصباح - من دفتر الذكريات
حنان باكير
نقول في أمثالنا الشعبية "لما بطفر الجندي بفتش بدفاتره القديمة". أفتش بدفاتري القديمة، لكن مش عن طفر. ففي كل مرة أكون في بيروت، يحلو لي نبش أوراقي القديمة. في آخر زيارة لي، وقعت على مقابلة
"دوّخني" التفتيش عليها ولم أجدها. لكني عثرت على بعض مسوداتها وبعض الوريقات، كنت قد انتهيت من صياغتها. كان ذلك زمن الورقة والقلم والفاكس.
المقابلة كانت مع الصحفي الذي شغل وسائل الإعلام العربية، منذ عشرينيات وحتى ستينيات القرن الماضي. لعقود عُرف بكتابة كلمة التحرير على الصفحة الأخيرة من جريدة النهار اللبنانية، كما كتب في العديد من الصحف والمجلات العربية. إنه الاعلامي صاحب كتاب "الزمن الرديء"، أحمد شومان. واشتهر بنقده اللاذع، وعدم مهادنة أي شخصية أو طرف. ولم تستطع أي جهة شراء قلمه. قال عنه صبحي ابو لغد "أحمد شومان، يكتب بالساطور".
معرفتي بأحمد شومان، بدأت بمناوشات غير ودية. ففي جلسة بمقهى الويمبي في شارع الحمرا، مع الروائي عاصم الجندي، همس لي بأني وسمت بالعنصرية من قبل كثيرين من الزملاء، وأنعت بصاحبة المسلك الواحد في كتابتي. والسبب أني منشغلة وغارقة في الشأن الفلسطيني. فجأة توقف عاصم عن الهمس وقال: وجدت لك مادة دسمة، وغير فلسطينية، أنظري من القادم الى المقهى! كان أحمد شومان. انه ذاكرة ثرية، بسبب علاقاته المتميزة مع رجال السياسة وكبار شخصيات العالم العربي. أضاف عاصم. هو لبناني ويحب فلسطين! تعارفنا ببرود.. سألته، انت شومان فلسطيني؟ أجاب: لا أنا من بيروت وبيروت مني.. الحقيقة أنه ليس من الأشخاص الذين تستعذب حضوره، من أول جلسة. ثم بدأت المشادات بيننا. قال عاصم: يا أحمد انتبه كثيرا، ليس الجميع يعلم بالقهر الذي يملء قلبك بسبب ما آلت اليه القضية الفلسطينية، ووقعتك سودا مع هذه الفلسطينية.
انسحبت من الجلسة. وفي تلك الليلة رنّ هاتف البيت. كان أحمد شومان. أدركت انه طلب رقم هاتفي من عاصم. اعتذر بشدة. وكان شرط قبولي الاعتذار، إجراء مقابلة مطولة معه. المقابلة استغرقتني جلسات عدة، بسبب مزاجيته، ففي بعض الأحيان كان يرفع الجلسة، بعد عشر دقائق فقط.
كان الرجل مقربا من الضباط الأحرار في مصر، وعاصر ثورة يونيو. وكان صديقا لأنور السادات، ويشيد بشجاعته وقدرته على التخفي، وكيف أخفته الراقصة تحية كاريوكا، في بيتها. وابن الرومي هو شاعره المفضل. وحين سألته: لذلك اكتسبت منه "التطيّر"! لم ينف الأمر. لن استرسل في الحديث عن هذا الاعلامي الذي تعرض للعديد من محاولات الاغتيال. ويوم تعرضت شخصية لبنانية للقتل بالسم، في أحد المطاعم في منطقة عجرم، صادف أن تبادلا صحون الطعام، لسبب ما، فأصيب شومان بالتسمم، بدلا من السياسي، لكنه نجا من الموت.
في شقته في شارع الحمرا، تستوقفك صور وتماثيل للحمار، كافة الأحجام. سألته عن السبب. قال: أحبه. حين زارني، حمل معه باقة ورد أصفر. سألته باستغراب، لماذا اخترت هذا اللون؟ سؤالي كان فقط بسبب حبي لهذا اللون من الورود، فقط لأنه مشع وضياؤه مبهج.. فأجاب: لأني حمار! فهم سؤالي بطريقة سلبية..
حدثني كيف تعرف على صبحي أبو لغد. قال: "رن جرس البيت. فتحت الباب وكان أمامي ذلك الإنسان الراقي والأنيق. حيّاني وبادرني بالقول، أعتذر منك يا جاري، فاليوم سأنتقل الى الشقة المباشرة فوق شقتك، وآمل ألا يزعجك بعض الضجيج.. ابتسمت له وأجبته، حتما أنت فلسطيني، فهذا تهذيب فلسطيني"!
لا مجال لسرد المزيد من سيرته، لأني سأقوم بصياغة المقابلة، وإعادة نشرها لاحقا، أما سبب اهتمامي بها، وقد نشرت في جريدة الخليج الاماراتية في العام 1989، فهو أنني لم أستلم الا نسخة واحدة من الجريدة، قدمتها لشومان. وبعد أيام قليلة، اتصل بي وطلب نسخة أخرى، اعتذرت فهي النسخة الوحيدة لدي. وسألته عنها، أخبرني أن المرأة التي تقوم بتنظيف شقته، قامت بتلميع زجاج الشقة بالجريدة، وهكذا ضاعت. تذكرت قولا للشاعر نزار قباني، بما معناه، أننا شعب يقرأ بالفنجان، وينظف الزجاج بالجريدة"!