عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 آذار 2017

تغريدة الصباح - العشق القاتل

حنان باكير

تبقى ذاكرة المكان الذي لم نره، اسطورية وخيالية، الى أن نلقاه ونستعيد حكاياه المروية، فيتحول الى حقيقة جغرافية وتاريخية، وتصير الحكاية وطنا حقيقيا. د. عادل الأسطة، زار عكا وما زال يكتب لنا كل صباح رؤياه وخواطره عن المدينة. فأيقظ حنينا لم يغفُ بعد في حنايا القلب.

عكا الحنونة وجارة البحر. عكا التي عاشت تقاوم مطامع كل اشكال الغزاة، وبقيت عكا صامدة تجاور البحر، والموج يعابث أقدام سورها. أبي حكى لي تاريخ المدينة، وقصص بحرها، وعاش مسكونا فيها، حتى لحظات رحيله. وحين جاءته الفرصة "لزيارتها" أرعبته الفكرة. وموقفه أيضا أرعبني. كيف يرفض هذه الفرصة، لماذا لم يحملني الى عكاه، لأرى مسرح حكاياه؟ بعد اسبوع من الدعوة، تجرأت على اقتحام صمته، وسألته عن السبب. قال لي: اذهبي أنت فأنا لن أذهب زائرا الى مدينتي. أريد عودة كاملة غير منقوصة، الناس هم روح المكان، فإما أن اعود مع جميع الذين رحلوا، أو لا أعود.. يومها لم أفهمه.

وبدأت أسمع حكايا الذين زاروا المدينة، وحين عادوا الى منافيهم القريبة والبعيدة، غاصوا في بحر من الكآبة، وسرعان ما رحلوا عن دنيانا، وعادوا نوارس بحرية على شاطئ عكا. محمود عطية، كان أول شهيد عشق، لمدينة تقتل عشاقها. فهل كان أبي يدرك أن عشق مدينته، سوف يقتله! وتلك المرأة التي بكت، حين ذهبت الى عكا، ويوم أرادت وداع الشاطئ الغربي، الذي كان منتزه العكيين، ويدعونه مجازا بالغربي، ذهبت المرأة لوداعه، جلست على رمل الشاطئ، بكت بحرقة، وغصت بدموعها، نعفت التراب على رأسها وبدنها، في طقوس معمودية. ساعدها الأصدقاء على الوقوف، وسحبها عن الشاطئ، التفتت اليه مودعة" بخاطرك يا بحر عكا، اللقا ليوم اللقا يا بحر عكا"! وبعد شهر رحلت المرأة، عن دنيانا بعد موجة حزن واكتئاب، فكيف تستطيع المدن أن تقتل عشاقها!

هل كان أبي يدرك ما تخبئه المدينة له؟ من هنا كانت فكرة روايتي الوحيدة. أنا ذهبت الى عكا، كتبت لها وعنها، منذ سنوات ولم أنشر ما كتبت، ولم أنته من الكتابة بعد، فهل أنتظر عودة أخرى، حتى أستوعب المدينة قطرة قطرة! طيلة الرحلة، لم أخرج من حالة الهذيان. في لبنان لهثت خلف أصحاب المكان، أدوّن ذاكرتهم عن المكان، فيرسمونه صورة حيّة، برائحة زنخ بحره، وعبق أنفاس أصحابه.. وحين صرت في المكان، انشغلت في استحضار أرواح وأصوات هؤلاء الناس. لا أدّعي أني كنت بكامل وعيي، وربما أصابني ذلك "السيندروم" الذي يصيب زوار القدس. طفت على بيوت من التقيتهم في حياتي. كانت الحاجة منيرة والفنانة سامية بكري دليلي في تلك الجولة.

حيث لك مقابر لك تاريخ. وزيارة مقبرة عكيّة كان مهما بالنسبة لي. زرت قبور أحباب لم أعرفهم، الا من خلال حب الأهل لهم. قبور قد هجرت من عام النكبة. هل زار عادل الأسطة، ذلك البيت الجميل داخل مقبرة البحر في عكا؟ لفتني ذلك البيت، ساعة خروجي من المقبرة. بيت جميل وحديقة، هي جنينة، اختصرت الجنة بكل مواصفاتها. اشجار فاكهة نادرة، استقدمها صاحبها من بلاد بعيدة. أخضعها لشروط البيئة العكية، فنمت وأثمرت. بركة ماء مع شلالات من صنع الرجل العكيّ. من خلف السور الشبك، استأذنته بالدخول للفرجة. رحب بنا وأضاء لنا الأنوار حول الشلالات.

بعد جلسة هادئة وفنجان قهوة، سألت الرجل: البيت جميل والحديقة جنة صغيرة. لكن أليست الحياة مرعبة داخل مقبرة؟ أجاب بهدوء: لا أبدا يا عمي، جيراني هنا غير مزعجين ابدا، ولا يتدخلون بشؤون بعضهم، حتى اللي كان فيهم أزعر، عندما يسكن هنا يصبح مهذبا!

أعرف أن الاستاذ بشار برماوي، يحب ما أكتبه عن عكا.. لكني لن أخون كتابتي السرية عنها، وسأحتفظ بها الى أن يحين وقتها!