عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 25 آذار 2017

سفيان يرتقي للخلود

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

كوكبة من الأصدقاء تعجلوا الرحيل هذا العام، وما زال في ربعه الأول. آخر المغادرين كان المناضل المقدام فتحي حسن شاهين (ابو حسن) أو المعروف باسمه الحركي (سفيان)، رحل الشهيد المقاتل في العشرين من آذار الحالي بعد صراع طويل مع مرض السرطان اللئيم، الذي فتك بجسده والملايين من البشر. قاوم ابو حسن حتى استنزفت طاقته وقدرته على المقاومة. حتى وهو يعاني من عذابات المرض الخبيث، تواطأت عليه وضده سلطات الاحتلال الإسرائيلي، عندما رفضت في كل مرة يتم تحويله لمستشفى المطلع في القدس مرافقة رفيقة دربه أم حسن أو ابنته الوحيدة دينا. وقبل مغادرته رحاب الدنيا، رفضوا منحه تصريحا لأخذ جرعة كيماوي. وهذا الأمر ليس مستغربا، بل انه جزء مكون لسياسات دولة التطهير العرقي الإسرائيلية. فهي لا تقتل المواطنين المناضلين فقط، بل تفتك بالأطفال والنساء والشيوخ في الميادين وتحت وابل قصفها الهمجي كما حصل في حروبها على قطاع غزة ومخيم جنين والجلزون والأمعري وقلنديا وغيرها من المخيمات والمدن والقرى الفلسطينية. 
الشهيد المناضل فتحي شاهين ابن قرية القبيبة المحتلة في العام 1948، يعود إمتداده لأسرة فقيرة في مخيم البريج وسط محافظات الجنوب، بعد هزيمة حزيران عام 1967، غادر القطاع إلى المملكة الأردنية والتحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مقاتلا، وشارك في معارك الدفاع عن الثورة في الغور، وأصيب اصابات بليغة في إحدى المواجهات مما افقده عينه، وأصيب برجله. غير ان عزيمة سفيان بقيت قوية ومتأججة، وبعد شفائه واصل العطاء في صفوف الثورة من خلال الشعبية، وانتقل في اعقاب ايلول 1970 وحزيران 1971 إلى لبنان، وعمل في فرع الساحة الأردنية في لبنان مع القائد ابو عيسى وابو العز وغيرهم، ثم تم فرزه للعمل في حقل الخدمات الاجتماعية خاصة أسر الجرحى والشهداء، وكان عمل في مكتب الأمين العام للجبهة الشعبية، الشهيد الرمز جورج حبش، ورغم ان سفيان كان فاقدا إحدى عينيه والعين الثانية تعاني من الضعف، إلا انه كان يرافق الحكيم في العديد من تنقلاته، وهو ما يعكس شجاعته المتميزة وذكاءه القوي، فضلا عن طيبته وروعته وتواضعه وحبه للآخرين من رفاقه، ووفق برفيقة دربه المناضلة شادية، التي تميزت بالخصال الحميدة ذاتها، حيث شكلا اسرة رائعة، وكانت تمثل للرفاق الأصدقاء الحضن الجامع والدافئ في كل المناسبات الوطنية والاجتماعية. 
وبعد الرحيل إلى سوريا واصل سفيان الكفاح في فرع سوريا، وكان من الكوادر الاساسية في الفرع، ونتاج تواضعه وحبه للرفاق خلق معهم أمتن العلاقات وافضلها. ومع ذلك لم يكن سفيان يوما ما مداهنا او مرائيا، بل كان كالسيف في إعلان مواقفه الجرئية من هذا القائد او ذاك الكادر او تلك المجموعة او من اي خطأ كان، الشخص او الهيئة، التي تقف وراءه. وقام في العديد من المحطات بالتصدي للعديد من المثالب، وكشف عن اخطاء وخطايا العديد من الرفاق، وتحداهم دون خشية او تعلثم. 
وعندما عاد للوطن حيث تقيم أسرته في غزة، التحق بوزارة الشؤون الاجتماعية وتسلم دائرة الشهداء، حيث كان عونا وسندا حقيقيا لكل ذوي الشهداء والجرحى، ولم يكن يترفع عن اي مهمة او مساعدة اي مواطن مهما كان، إن كان يعرفه او لا يعرفه، كان همه الدائم كيف يدخل الفرح والأمل في نفوس مراجعيه. وكان علما متميزا في الوزارة، وبإمكان الأخت ام جهاد، وزيرة الشؤون الاجتماعية ومسؤولة الهيئة لاحقا ان تنصفه، لأنها خبرته في ميدان العمل، ووثقت به، ودعمته، لأنه أهل لذلك، مع انه لم يأخذ حقه الوظيفي كما يجب. 
ابو حسن تميز بفيض من الحنان داخل اسرته، فكان ابا وأخا وصديقا كبيرا لأبنائه حسن ودينا ومجد. كان قريبا منهم جدا، يلاحق همومهم وتفاصيل حياتهم، ويحرص على ان يؤمن لهم افضل وسائل العيش الكريم ضمن إمكانياته وقدراته. ولم يبخل على إخوته ولا على والديه قبل رحيلهما إلى دار البقاء الأخيرة، وفي جوار الرفيق الأعلى. ومن الصعب ان يجد المرء إنسانا ما كان على تماس مع سفيان ولم يحبه ويحترمه ويتعامل معه بإيجابية وثقة، لأنه اهل لذلك، حيث اتسم بخصال الود والاحترام للآخر والمثابرة في العطاء، ومد يد العون لكل محتاج، كان أخا وصديقا وفيا لكل اصدقائه، لم يخذل احدا منهم، لا بل كان يغفر لهم هناتهم واخطاءهم، ويعلو على الجراح. 
هذا السفيان البهي الجميل حلق أخيرا نحو الفضاء البعيد، ارتقى إلى مجد الخلود، ونام نومته الأبدية. لكنه بخصاله وسماته وقيمه، التي تركها طيلة تجربة حياته على مدار الـ 66 عاما سيبقى خالدا في سجل الثورة والجبهة والشعب والأصدقاء . رحم الله الصديق سفيان والبقاء لرفيقة دربه ام حسن وللأحبة ابنائه حسن ودينا ومجد ولرفاقه ومحبيه. 
[email protected]