نبض الحياة - استقلال تونس الـ61
عمر حلمي الغول
احتفلت تونس الخضراء عموما وسفارتها في فلسطين خصوصا، امس الإثنين، بعيد استقلال الجمهورية الحادي والستين. وللمناسبة واللحظة السياسية، التي تعيشها تونس وشعوب ودول الأمة العربية عموما أهمية في تسليط الضوء على الحدث التاريخي. الذي كرس الحقوق المدنية في الدستور والتعليم ومناحي الحياة كافة. ومنح المرأة مكانة متقدمة ومتكافئة مع الرجل. وضبط إيقاع الخطاب الديني بما لا يتعارض مع روح القانون والدستور والنظام، مع انه لم يرق إلى مستوى فصل الدين عن الدولة. لكنه قياسا بواقع دول العالم الثالث وبالتحديد دول العالم العربي كان إنجازا هاما، ساهم في حماية وحدة تونس الشعب والدولة من الارتدادات الدينية، التي واكبت أحداث ما يسمى الربيع العربي.
نعم كان للرئيس المؤسس لتونس الحديثة، وأبو الاستقلال والنظام المدني، المغفور له الحبيب بورقيبة الفضل المهم والأساسي في إنقاذ تونس من لوثة حركة النهضة (فرع جماعة الإخوان المسلمين)، التي تبوأت المشهد التونسي في أعقاب رحيل الرئيس زين العابدين بن علي، وقبضت على مقاليد الأمور التشريعية والتنفيذية بعد فوزها في الانتخابات التشريعية في تشرين الاول 2011. ولولا ذلك التأصيل للحقوق المدنية خاصة حقوق المرأة، وإدراك المجتمع التونسي لمآرب ومخططات حركة النهضة بقيادة زعيمها الشيخ راشد الغنوشي نتاج الانتهاكات الخطيرة، التي نفذتها ضد القوى الوطنية والتقدمية، ومحاولاتها إعادة تونس للخلف كما حصل في العديد من الدول العربية، التي شهدت تحولات عميقة خلال السنوات الست الماضية، وعمليات الاغتيال لبعض الرموز الوطنية، وتراجع الاقتصاد التونسي، لما امكن تونس الإمساك سريعا ببوصلة النجاة من الانقلاب الخطير، الذي حصل في 2011، وللأسف حصل باسم الديمقراطية ومن خلال صناديق الاقتراع، كما حصل في فلسطين عام 2006، ولولا إدارك القوى السياسية الحية والشعب التونسي الشقيق بأطيافه ومكوناته للمنحدر الخطير، الذي تتجه اليه نهضة الغنوشي ومن معها من قوى سلفية تكفيرية، لكانت تونس الخضراء تعيش اليوم مأزقا حقيقيا، لا يقل خطورة عما تشهده سوريا والعراق وليبيا وغيرها من بلاد العرب.
إذا الذكرى الـ61 لاستقلال الجمهورية التونسية، لها دلالة مهمة، تتمثل بإمساك الشعب التونسي وقواه الوطنية والقومية والتقدمية بزمام الأمور. وبغض النظر عن أية نواقص او تباينات وحتى تناقضات بين القوى السياسية الفاعلة في المشهد التونسي، فإن تجربة نداء تونس، الحزب الحاكم بقيادة قائد باجي السبسي، لتؤكد على نجاح هذا التيار الرباعي الحاكم، الذي فاز أقطابه بجائزة نوبل للسلام، لما اجترحوه من إبداع في إنقاذ النظام السياسي الديمقراطي التعددي، وبالتالي حماية الجمهورية من السقوط مرة أخرى في دوامة الإخوان المسلمين. إضافة لما تقدم، فإن التجربة التونسية الرائدة، أرغمت حركة النهضة ومن معها من التيار الإسلاموي بمراجعة تجربتها وعلاقتها بالشارع التونسي، وعقدت مؤتمرا في ايار الماضي حرصت فيه على إبراز خيارها بتوطين نفسها في المشهد التونسي، وبالتالي أوجدت مسافة بين قراراتها وجماعة الإخوان عموما ومكتب الإرشاد خصوصا. ورغم عدم اليقين بمصداقية حركة النهضة، إلا أن الإعلان عن ذلك وعلى الملأ ليعطي الدليل، على إدارك فرع الإخوان المسلمين بفشل تجربتهم وخيارهم المتزمت. ومما فرض عليهم السعي لتطوير الخطاب الإسلاموي، والعمل على إيجاد محاكاة مع الشارع التونسي والعربي، والربط بين الشعار السياسي والواقع المعاش، وهو ما يعني سقوطا كاملا لشعار "الإسلام هو الحل". وانتصار التعددية والديمقراطية والشراكة السياسية.
في الذكرى الـ61 لتونس، تقف تونس الشعب والقوى السياسية الحية وقطاعات المجتمع وخاصة المرأة، لتدون بصوت عال، نعم للحرية وترسيخ جذور الاستقلال، ونعم للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي التربوي والقانوني الدستوري للنهوض بتونس لتبقى خضراء دوما لكل ابنائها دون تمييز من اي نوع. مبروك لتونس الشعب والرئاسة والحكومة والسفارة والسفير الصديق الحبيب بن فرح.