نبض الحياة - سبب الإلزام بالتعهد
عمر حلمي الغول
زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الأولى إلى واشنطن في عهد إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، خلال شباط الحالي حملت الكثير من التأويلات والاجتهادات في قراءة مواقف القيادتين الأميركية والإسرائيلية. لاسيما وان حملة صاخبة دعاوية إعلامية إسرائيلية من قبل أركان الإئتلاف الاسرائيلي الحاكم سبقت زيارة نتنياهو، ومنوا النفس الإسرائيلية الاستعمارية بفتوحات غير مسبوقة في العلاقات الثنائية المشتركة الأميركية الإسرائيلية، ولهذا القيت الوعود والبيانات والتعهدات الاستعمارية يمينا وشمالا للمستعمرين في اراضي دولة فلسطين المحتلة عام 1967.
مما لا شك فيه، ان الإدارة الأميركية الجديدة، أعلنت على الملأ وقوفها إلى جانب إٍسرائيل ودعمها لضمان أمنها وتفوقها على العرب، وأكدت على التصدي لكل دولة او منظمة اممية او إقليمية تحاول التضييق على دولة الاحتلال والعدوان الإسرائيلية ... إلخ من المواقف، التي تعتبر ثابتا من ثوابت السياسة الأميركية الناظمة لعلاقاتها مع حليفتها الإستراتيجية، بدءا من التسليح إلى التنسيق الاستخباراتي إلى المشاريع والخطط العدوانية تجاه شعوب المنطقة خاصة العالم العربي وأيضا تجاه إيران... وهي مواقف ليست جديدة. الجديد الوحيد، هو عدم تمسك إدارة الرئيس ترامب بحل الدولتين، رغم أنه يفضله على أي حل آخر. كما اشار قبل يومين. وبشأن الاستيطان الاستعماري، كان ترامب حريصا على الإشارة لنتنياهو في مؤتمرهما الصحفي المشترك، بأن يتوقف ويتريث قليلا.
وإذا حكم المرء العقل، وحرص على قراءة خطاب الإدارة الجمهورية الجديدة تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم حالة التشوش العام في السياسة الأميركية تجاه القضايا الداخلية والعالمية المختلفة، يلحظ أنها بقيت متمسكة بإيجاد حل سياسي للصراع، رغم عدم الوضوح في شكل وآليات هذا الحل. فضلا عن عدم فتحها الباب واسعا للعلاقات الثنائية مع القيادة الفلسطينية، واتخاذها موقفا غير إيجابي بشأن تحويل إدارة أوباما السابقة لـ 220 مليون دولار للسلطة الوطنية. لكنها لم تغلق الباب امام العلاقات الثنائية مع القيادة بدليل انها ارسلت مسؤولا اميركيا كبيرا للقاء الرئيس ابو مازن عشية لقاء نتنياهو، لطمأنته، وللتأكيد له بعدم الاستماع عنها، بل الاستماع منها لمواقفها، وايضا قام ويقوم أكثر من مسؤول فلسطيني بزيارات متواصلة لأميركا للقاء مع اركان الإدارة الجديدة لإعادة المياة لمجاريها.
وفي حال دقق المراقب في تصريحات نتنياهو بعد عودته من واشنطن، فإنه يلاحظ دعوته لأقرانه في الإئتلاف الحاكم، بعدم إطلاق تصريحات حول عطاءات جديدة للبناء في المستعمرات، وايضا التراجع عما تعهد به ببناء مستعمرة جديدة لمستعمري بؤرة "عموناه"، التي تمت إزالتها مؤخرا، رغم مواصلة بينيت، رئيس حزب "البيت اليهودي" بالعمل على بناء تلك المستعمرة. وهو ما يعني، ان ما كان يلمع في ذهن ورؤية أركان الإئتلاف ليس ذهبا استعماريا صافيا، انما كان أقرب للأوهام وتمني النفس بأكثر مما عبرت عنه مواقف الرئاسة الأميركية، وهو ما يعكس تراجعا نسبيا للاعتقاد السائد في اوساط الحكومة الإسرائيلية لجهة انفلات العملية الاستعمارية وتصفية خيار حل الدولتين نهائيا. بالتالي بقراءة موضوعية للموقف، حكومة نتنياهو لم تحصل على كل ما تريد.
من هنا يمكن قراءة إلزام نتنياهو أقرانه في المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) بالتعهد بعدم إعلان أية مواقف عن لقائه بالرئيس ترامب يوم الأحد الماضي، يهدف لإبقاء حالة الغموض والالتباس قائمة في اوساط الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي تجاه مواقف الإدارة الأميركية، لاستثمار تلك الحالة، اولا- لتشويش الرؤية الفلسطينية أكثر بشأن مواقف أميركا من عملية السلام. ثانيا- لعدم السماح لحلفائه بالإئتلاف بفتح النار على الإدارة الجديدة ومواقفها المكبلة نسبيا لسياستهم الاستعمارية. ثالثا- لإعطاء مهلة لحكومة نتنياهو وحلفائها في الإدارة الترامبية لتجسير الهوة بين طموحهم وأحلامهم وبين الواقع القائم، الذي لا يعكس رغباتهم العدوانية. وبالتالي الإلزام بتعهد اعضاء الكابينيت لا يعود لإنه حمل جديدا يتوافق مع رؤيتهم الاستعمارية، انما كونه عاد بوفاض مشوش، وعكس ما راهن عشية ذهابه للقاء الرئيس صاحب الشعر الأصفر. ولعل قادم الأيام يحمل الجواب، لأن حلفاء زعيم الليكود، لن يصمدوا كثيرا بالتزامهم له.
[email protected]