الذاكرة الوفية - ناجح حسن جميل حجاز
عيسى عبد الحفيظ
ولد الشهيد ناجح في المهجر وتحديداً في اسبانيا أين كان يقيم ذووه في الثالث والعشرين من شهر أيار عام 1970. أيار الذي شهد وفي منتصفه بالضبط نكبة شعبه عام 1948.
عاد الى ارض الوطن والتحق بالمدرسة حتى وصل الى الصف الأول ثانوي عندما اندلعت الانتفاضة عام 1987.
سارع للالتحاق بالركب، ركب الشباب الغاضب والذي انفجر دفعة واحدة لكرامته الوطنية واستحقاقه الانساني، ولكي يعيش كغيره من الشعوب معززاً بالانتماء الى شعبه الفلسطيني والى أمته العربية والاسلامية.
لم يكن قد مر على الانتفاضة عدة أشهر حتى بدأت المناوشات اليومية مع المستوطنين الذين رأوا في هذه الظاهرة بداية النهاية لحلمهم بالاستيطان الأبدي والعيش بهدوء واستقرار وأمان.
كانت الانتفاضة هي الهاجس الذي يدق ناقوس الخطر بأن لا أمن ولا سلام ولا تعايش مع الاحتلال وهذا ما أدركته الاحتلال منذ اللحظة الاولى وشكل بداية النهاية للحلم الاستيطاني الذي راهن على فترة السنوات السابقة بأنه أصبح أمراً واقعاً وقدراً لا يستطيع أحد لجمه.
كغيره من التلاميذ المندفعين الى المواجهة المباشرة في هذه السن الشبابية دائم الاستعداد وجاهزية كاملة للمواجهة دون الالتفات الى النتائج والقبول بالتضحية، سارع للالتحاق بالركب ليقذف بما تيسر له من حجارة وطنه.
نزل المستوطنون الذين يحيطون بقريته ترمسعيا من كل ناحية مدججين بكل أنواع الاسلحة امام حجارة الاطفال.
انها عقدة التفوق التكنولوجي والتي ما زالت اسرائيل تستثمرها حتى الآن، البقاء للأقوى، هذا هو القانون، وهذه هي القاعدة، منظر كريه ومنفر ولا يمت للانسانية والحضارة بصلة، ترى المستوطن حاملاً رشاشه ويحيط به زوجته المسلحة مثله تماماً وأولاده مدججين بالسلاح القاتل، ومستعدين لاطلاق النار في كل لحظة يشتمون فيها رائحة الخطر حسب ظنهم. حركة عفوية من أي مواطن أو خطأ في مسار المشاة على حاجز قلنديا أو على حاجز غيره كفيل بفتح أبواب الجحيم كلها.
هاجس الخوف يسكنهم ليل نهار، وكما قال شاعرنا الخالد محمود درويش، يولدون في دبابة ويعشقون في دبابة ويتزوجون في دبابة.
الدبابة والطائرة والمدفع والرشاش هي عدتهم اليومية وهي غذاؤهم الروحي وحتى الازل.
ربما لم يدرك شهيدنا ناجح لعبة الموت عندما امتشق حجره الصغير في كفه الصغيرة ليرجمهم كما يفعل بقية الصبية. سدد المستوطن الحاقد والمدجج بالسلاح والكراهية والحقد الأزلي سلاحه الى صدر الفتى وأطلق النار. كانت النية مبيتة للقتل ظناً منه أنه بذلك يضع حداً لهذه المناوشات الصبيانية فسقط ناجح فوراً وفي مكانه لكن كفه كانت لا تزال تقبض على الحجر، طوبى لك أيها الفتى الفلسطيني الذي رضع من ثدي أمه التي ربته ونشأ على كلمة سحرية "الوطن".
كانت قرية ترمسعيا تزف شهيدها ذاك اليوم وهي اكثر اصراراً على المواجهة مهما كان الثمن.