تغريدة الصباح - فرسان التراث والذاكرة
حنان باكير
اللصوصية لم تعد عارا. ولا تعيب اللصوص، بل صارت شجاعة ومفخرة، يتذلل لهم بعض ضعفاء النفوس. لا يهمني خيرات عالمنا العربي المنهوبة سرا وعلانية، فهي ليست بسرقة ما دامت تتم بمعاهدات وصفقات تسمى تجارية.
مناسبة الحديث، استصدار قانون يبيح سرقة أراضي الفلسطينيين، التي باتت تسمى مستوطنات أو أرض المستوطنين. هكذا بكل بساطة وكما كانت تقول جدتي، "عينك بنت عينك"، أو "على عينك يا تاجر"! ومن دون خشية من هيئات أو محاكم دولية، أو حتى الوصايا العشرة التي خطها "يهوه" بإصبعه!
وهذا ايضا ليس موضوعي الآن. لكنه المناسبة التي دفعتني للحديث عن فرسان حفظة التراث الفلسطيني، بكل تفاصيله. فحين سرق المغتصب الأرض بكل ما عليها بترابها وبيوتها وهوائها وبحرها، لم يكتف بذلك.. قد نفهم أن يسرق بنكا أو بيتا أو حتى بئر نفط، لكن لا نفهم كيف يسرق وطنا بكامله، ومع بشره! وحتى تكتمل دائرة جريمة السرقة، لا بد من ابتكار تاريخ وعلاقة تاريخية بين السارق والأرض.
فتم نهب التراث، بمطرزاته وأزيائه الشعبية، ومأكولاته من الفلافل الى صحن الحمص والفول.. الى الدبكة والأغنية. منذ أيام أخبرتني صبية صغيرة، عن رحلتها السياحية الى بلد عربي، بينه وبين المغتصب، اتفاقية سلام! سمعت في أحد المخيمات، في المنتجع صوت اغاني الدلعونة وظريف الطول، دبّ بها الحماس، وأسرعت الى الخيمة منشرحة.. لكن المفاجأة، أنهم كانوا من أبناء العمومة، حسب المرويات الدينية والتاريخية.. كانوا يمارسون فنوننا، على أنها تراثهم!
الموضوع ليس بالجديد، قد يعلق قائل، صحيح ونص! يهمني الحديث هنا عن بعض الغيارى على تراثنا، وفرسانه الذين يحرسونه، وبمبادرات شخصية، ودون دعم من هيئات رسمية.
قبل سنوات طويلة تعرفت، على مدونة الناشط التراثي، عوني ظاهر، من قرية ياصيد. ياصيد التي رسمها لنا عبر الصورة والكلمة، بشوارعها وأزقتها وبساتينها وفاكهتها، حتى خلت نفسي، أني كنت فيها ذات زمن.. كتبت له ذات مرة تعليقا: لو قدر لي المرور بياصيد ذات حين، فلن يكون صعبا أن أهتدي الى بيتك دون دليل! وسأمر على حقول التين والزيتون وكروم العنب..
وعبر الصور، والمقابلات التلفزيونية، رأيت بيته، الذي تحول الى متحف تراثي غني بموروثات كان امتلاكها، مصدر فخر أصحابها في ذلك الحين! من الأثواب الفلسطينية، والحلى التي تزينت بها نساء ذلك الزمن.. بابور الكاز، المنجل والمحراث.. من أكبر وأحدث الآلات في ذلك الزمن، الى أصغرها وأدقها من أزرار القمصان والفساتين، المسابح المعتقة التاريخ..
في بيته الخاص، الذي استولى المتحف على معظم أرجائه، ولم يترك له الا مساحة متواضعة يسميها البيت، يعبق تاريخ شعب، وأدوات تحكي بصمتها، ذلك التاريخ! الأثواب التراثية، تحضر بكامل أناقتها، التي لم ينل منها الزمن، الا بازدياد مهابتها، وإثارة الحنين فينا، لتلك الأيام الخوالي. وللمخطوطات القديمة، محلها في صناديق خشبية، أبى الوقت الا أن يمنحها بعضا من هيبته.. بمجهود فردي، ودون دعم مؤسساتي، بنى عوني ظاهر، عالما، استحضر فيه تاريخ وحضارة وثقافة شعب، ليبقى التواصل بين شعب تحول بفعل الشتات الى شعوب، لكنها غير متباينة، بل تجمعها "الفلسطنة" المقدسة التي تجذبنا وتوحدنا رغم التنائي، ومشقة اللقيا!
لم أزر متحف عوني ظاهر في الوطن. لكني زرت مثيلا له في جنوب لبنان، وتحديدا في منطقة البرج الشمالي. الاستاذ محمود دكور، أقام متحفا مماثلا، بجهد فردي، هو أيضا حوّل جزءا كبيرا من بيته الخاص الى متحف ضم جميع الأدوات والعملات القديمة والأثواب الفلسطينة... ثم اقتطع جزءا آخر من منزله، حوّله الى مكتبة، ومقاعد لجلوس القراء.. يشتري من ماله الخاص، الأشياء القديمة، وحين انشهر متحفه صار الناس يأتون اليه، بما أخرجوا معهم من فلسطين.. من أوراق ووثائق قديمة، وأدوات جلّها لم يعد شائع الاستعمال، وبدون مقابل الا ذكر أسماء المتبرعين بها.. فترى العديد من القطع وقد كتب على لوحة أمامها: تقدمة عائلة فلان..
أكاد أجزم أن فرسان حماة التراث والذاكرة كثر.. ويستحقون الدعم والتشجيع!