عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 شباط 2017

تغريدة الصباح - من وحي العمر

حنان باكير

لا يصدمني الزمن، مهما راكم من سنوات على كتفي. يعجبني قول عند إخواننا الموحدين: "تعيش طول ما الحياة بتلبقلك".. لكن المأساة، تكمن في المشاعر الشبابية البريئة التي تسكنك، ومرآتك تشي لك بالتغيير. ثم تأتيك مشاهد، تفتح عينيك على كم السنوات، التي غافلتك وربما لم تبق في حسابك الا القليل!

حتى زمن أخاله غير بعيد، كنت أشاهد جدتي وأمي في غرفة الجلوس. أمي تقرأ مجلة، من دون نظارة. جدتي تصلح ما مزقنا من ملابس، وقطعنا من أزرار، نتيجة شقاوة الطفولة، وحين تعجز عن عبر الخيط في ثقب الابرة، تطلب النجدة من أمي.

بعد حين مر خلسة وغافلنا بالهرب، أخذت أمي دور جدتي، وصرت أنا الأم التي تعبر الخيط في ثقب الإبرة، بعد أن لجأت أمي الى النظارة البيضاء. رحلت جدتي ثم أمي. وصرت الجدة التي تحتاج الى ابنتها لتمرر لها الخيط في ثقب الإبرة.

تأتي ابنتي كل صباح، بطفلها الذي أرعاه، أثناء دوام عملها. ابنتي التي كنت وحتى زمن خلته قريبا، أحملها الى أمي كل صباح قبل ذهابي الى العمل! اعتدت الأمر، بسبب الفرح الذي منحني إياه الأحفاد. أو ربما تقمص الأحفاد لأمهاتهم، فحدث تشويش ما في الذاكرة، ولم أعر انتباها للتغيير الطارئ على الأدوار.

على شرفة منزلي في بيروت، وقفت صباحا أرقب حركة الشارع الصباحية. وأستمتع بسيمفونية الصباح من الضجيج وزمامير السيارات، وحافلات المدارس، وصراخ الأطفال.. فالهدوء والصمت الثقيل في النرويج، يصبح ضجيجا خفيا يثقل السمع.

من على الشرفة، رأيت من كن صديقات طفلاتي، وقد صرنا أمهات، وها هن يصحبن أطفالهن الى المدارس، وأمهاتهن يجلسن على الشرفات، يحتسين القهوة، وقد ابيضت شعورهن، وبعضهن طلبن مساعدة من العصا! هالني المشهد، فاستشرت مرآتي. التي قالت لي: شعرك لم يبيض بعد.. وما زلت تسيرين بلا عكازة.. وما زلت قادرة على الحركة والسفر ومساعدة الأحفاد، إذن لا بأس عليك!! ندت عني تنهيدة طويلة.

منذ عقود ومع بداية غزوة التعصب الديني، تغيرت تعابير الناس، خاصة الرجال. اختفت كلمة يا مدام، مادموزيل، يا ست، أو يا أختي، واستبدلت بنداء يا حجة، ولا فرق بين الصبية الصغيرة أو المرأة المسنة! كانت الكلمة تزعجني، لا لسبب الا لأنها ارتبطت بكبار السن! قلت لأحدهم ذات مرة: كيف تقول حجة، لامرأة بملابس صيفية مفتوحة، أو غير محتشمة بتعبيركم الشائع! هل تريد إهانة الحجات!

في مقهى بحري، انتصب أمامه جبل عال، جلست أحتسي قهوتي. تأملت الجبل من سفحه حتى أعلى قمته، بكل تعاريجه ووعورة دروبه، بصخوره الناتئة، مثل عقبات كأداء، مثل خط حياة قاسية. رأيت نفسي، وقد قاربت القمة في تسلقي.. أنظر الى السفح، وأستعرض صورة حياة، لا تقل في مخاطرها عن تسلق هذا الجبل! حياة زاخرة بمغامرات قاتلة وقاسية.. بعض مرافقي، تراجع واختار الطرق البسيطة السهلة، ومنهم من اختار حياة السفوح، ومنهم من سقط عن جرف مرتفع.. فأدركت أن الحياة كلما طالت، ضاقت ونصبح أكثر وحدة وانعزالا.

أن تجلس على مرتفع، وتستعرض شريط حياتك، وكأنك لا تنتمي له.. تراجع ما خططت لحياتك، وتدرك أن انجازاتك أكثر من متواضعة بل فقيرة، وربما تحتاج حياة أخرى، تقوم على خبرات حياتك السابقة. لكن مرارة الإخفاق، تبقى في فمك.

تذكرت الروائي عاصم الجندي، يوم كتب آخر كتبه "أحزان العاشق العجوز"، يومها كنت في مرحلة النضج، كما يسميها عاصم، بداية ومنتصف الأربعينيات.. ربما كان هو في سن الثامنة والستين. ناقشت الكتاب معه قبل صدوره. وعن عنوانه الباعث على الكآبة. اختلفت معه وسافرت. وحين عدت، كان قد بلغ قمة الجبل ورحل، قبل أن يغادر الكتاب المطبعة، فتم توزيعه في حفل تكريم لروحه..

هل هو فأل سيئ أن نتحدث عن مشاكل العمر!!

*التغريدة هي من وحي مقالة لعادل الأسطة.