نبض الحياة - خطاب التنصيب الأهوج
عمر حلمي الغول
من استمع للرئيس دونالد ترامب، في حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي، اعتقد انه امام مرشح للرئاسة، يحاول استقطاب الجمهور لصالحه ضد خصومه، وليس رئيسا تبوأ قبل دقائق منصبه، وتولى مهامه الرئاسية. لا بل أكثر من ذلك، مفترضا في نفسه، انه الرئيس غير المسبوق لأميركا، او إن شاء المرء المقاربة، رغم الفارق بين الحالتين، "أنه المسيح المنتظر" او "المخلص الموعود." وتجلى ذلك، عندما هاجم بشكل أهوج وغير لائق الرؤساء الأميركيين، الذين سبقوه، وهم على المنصة ذاتها، فاتهمهم، بأنهم "أنفقوا التريليونات على الدول والشعوب الأخرى"، و"انحازوا لصناعات الدول الأخرى على حساب الصناعات الأميركية"و"وساعدوا الجيوش الأخرى على حساب الجيش الأميركي" و"تركوا الحدود القومية دون حماية" و" تركوا البنية التحتية الأميركية مهملة دون عناية"، و"انه حان وقت العمل". وكأن الحضارة والإمبراطورية الأميركية، التي تتسييد العالم حتى اللحظة، جاءت من الفراغ، وليس نتاج جهود وعطاء الرؤساء الأميركيين السابقين وإداراتهم من الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي.
وهنا المرء لا يدافع عن بطش ووحشية الإمبراطورية الأميركية، ولا عن سياساتها العدوانية ضد شعوب الأرض. ولكن الموضوعية تحتم تذكير الرئيس ال45، انه ليس الرئيس الأول للولايات المتحدة الأميركية. انما هو الرئيس ال45. ومن سبقوه من الرؤساء، هم وليس احداً غيرهم من صنع عظمة ومكانة الولايات المتحدة. والنتيجة المنطقية، التي يخلص لها المستمع، ان ترامب مسكون بجنون العظمة، والنرجسية المنفلتة من اقصى درجات الغرور. وهذا النزوع الخطر لا يبشر بالخير لأميركا وشعبها.
خطاب ساكن البيت الأبيض الجديد، خطاب شعبوي، لا يعكس سوى ثقافة رجل مغامر ومتغطرس وعنصري. بعيد عن اللباقة واحترام الآخر. حيث القى الكلمات الرعناء في وجوه من سبقوه من الرؤساء الأحياء، وهم: كارتر، بوش الإبن، كلينتون وأوباما. ما عكس سلوكاً منافياً لأبسط قواعد الاحترام للآخر. وهم ليسوا من الحزب الديمقراطي وحده، بل من الحزبين الرئيسيين.
بالـتأكيد من حق ترامب توجيه النقد لسياسات من سبقوه من الرؤساء. ولكن لا يجوز له التطاول عليهم، والإساءة لهم وبحضورهم. ومن حقه ان يدافع عن برنامجه، ويحدد توجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية/ الأمنية. غير ان عليه ان يعترف بشجاعة، انه يبدأ من حيث انتهى إليه الرؤساء، الذين سبقوه. أضف لذلك، انه يعلم علم اليقين، ان منظومة صناعة القرار في الولايات المتحدة، لا يقررها الرئيس وحده، بل هي نتاج تشابك منظم بين مركبات عديدة من المؤسسات التنفيذية والتشريعية والبحثية والأمنية ولوبيات الضغط واباطرة المال المالي. وبالتالي ايا كانت المساحة، التي سيتمكن هذا الرئيس او ذاك من الحصول عليها في التأثير في صناعة القرار الأميركي، لن تسمح له المؤسسة الحاكمة بالاستفراد بالقرار وحده. وبالتالي إذا استطاع الرئيس دونالد ترامب الانفراد بالقرار الأميركي، فهذا معناه ان عقد الولايات المتحدة قد انفرط. ولن تكون أميركا أميركا، التي نعرفها. بمعنى سنكون أمام أميركا جديدة أو إستقلال ولايات وتشكيل دول جديدة خارج المؤسسة الفيدرالية. هذا ما عكسه خطاب الرجل، وما تبشر به الاحتجاجات المتنامية ضد شخص الرئيس الجمهوري او المتمرد على الحزبين.
تولي الملياردير ترامب رئاسة الولايات المتحدة، تحمل في طياتها مخاطر حقيقية على مكانتها ودورها، وعلى الغرب الرأسمالي، حيث يلحظ من مواقفه وتصريحاته، انه متجه لتقسيم الغرب الرأسمالي، بالإضافة إلى خلط الأوراق في العالم وهيئاته الأممية. وهو ما قد يحمل في طياته تغيير منظومة العلاقات الأممية برمتها. وبالتالي على الأقطاب والدول أخذ الحيطة والحذر، ووضع السيناريوهات المختلفة لتفادي القرارات المفاجئة، التي قد يتخذها الرئيس الأميركي الجديد. النتيجة المنطقية في استشراف المستقبل، تشير إلى أن الولايات المتحدة تقف امام مفترق طرق استثنائي في الزمن الترامبي.