نبض الحياة - المقاومة الذكية
عمر حلمي الغول
مفهوم المقاومة الذكية او الثورة الذكية، هو مفهوم جديد نسبيا، غير انه عميق عمق التاريخ، وله صلة جدلية بمطلق ثورة وكفاح تحرري لشعب من الشعوب. وكما يوجد مقاومة ذكية توجد مقاومة غبية او طائشة او مراهقة. في الحالتين هناك مقاومة وثورة بغض النظر عن هدفها المطروح للتحقيق. ولكن هناك مقاومة وهناك مقاومة. هناك مقاومة فاشلة وسطحية، وهناك مقاومة ناجحة ومثمرة، ويعمل القائمون عليها وفق خطة ورؤية منهجية لتحقق المردود والنتائج الإيجابية.
لو توقف المرء امام ثورات "الربيع العربي" على سبيل المثال لا الحصر، وطرح سؤالا كيف يمكن وصفها؟ هل هي ثورات شعبية بقيادة واعية وبأهداف وطنية واجتماعية واقتصادية واضحة ام هي ثورات دون هدف او لها أهداف تخريبية، لا تمت بصلة لمصالح المجتمع؟ في الحقيقة أنها ثورات غبية وفاشلة لعدة أسباب، منها: اولا غياب وحدة الأداة والبرنامج الوطني؛ ثانيا غياب قوى التغيير الحقيقية؛ ثالثا ركوب قوى مرتبطة بأجندات خارجية سفن الثورات هنا وهناك (جماعة الإخوان المسلمين ومشتقاتها من "داعش" و"النصرة" و"أكناف بيت المقدس"، والقوى الطائفية الاخرى) وحرفها عن بوصلتها الوطنية والاجتماعية؛ رابعا مزقت وحدة الشعب والأرض في كل مكان وجدت فيه باسم الدين والطائفة والمذهب. النتيجة أنها ثورات لم تخدم قضايا ومصالح الشعب العربي في هذا البلد او ذاك، بل عملت ضد تلك المصالح وحقوق ومكتسبات الشعب والأمة على حد سواء.
ولو أخذنا القضية الفلسطينية وطبيعة الصراع مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية، ودققنا النظر في اشكال المقاومة، من حيث المبدأ كل شكل في مواجهة إسرائيل أيا كان عنوانه سياسي او دبلوماسي او اقتصادي أو ثقافي أم اجتماعي وإعلامي وتربوي وزراعي وسياحي ورياضي وعسكري ...إلخ يندرج تحت بند المقاومة. لكن ونحن نمعن النظر في اشكال المقاومة، ليست كل الأشكال تؤدي إلى النتائج المرجوة مالم توضع : اولا في إطار إستراتيجية وتكتيك واحد؛ ثانيا أداة قيادية واحدة تعمل على إدارة الصراع وفق الأهداف الوطنية؛ ثالثا ربط كل شكل بالعوامل والمعطيات الذاتية والموضوعية؛ رابعا تأمين الديمومة (الآليات) والإمكانيات الضرورية للمقاومة.
لو أخذنا كمثال نموذج مقاومة السكاكين، الذي تميزت به الهبة الشعبية من مطلع اكتوبر 2015 حتى مايو 2016، رغم نجاح هذا الاسلوب في إنزال الرعب في صفوف الجيش الإسرائيلي وقطعان المستعمرين وحتى داخل المجتمع الإسرائيلي. لكنه كعمل فردي، وغير موحد وبدون خطة وترشيد، للاسف أعطى مردودا سلبيا على عملية الصراع، وفتح شهية حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية بقيادة نتنياهو بسن مجموعة من القوانين والأوامر العسكرية المجرمة، التي وسعت وعمقت عملية الاستهداف لاإبناء شعبنا. هنا لا يناقش المرء طبيعة الحكومة الإسرائيلية، لأن افضل الحكومات (إن جاز التعبير بالمعايير النسبية، مع انه لا يوجد في تاريخ دولة إسرائيل حكومة احسن وحكومة أسوأ، لإنها جميعا حكومات تعمل لاهداف استعمارية محددة، وإن وجد تباين نسبي) لن تكون أقل عدوانية من حكومة الائتلاف الحاكم في إسرائيل. وبالتالي لم يحقق الشعب الفلسطيني الأهداف المرجوة من مقاومة السكاكين، وحصد الشعب نتائج عكسية.
ايضا لو ناقش المرء اسلوب النضال السلمي وما تقوم به لجنة التواصل الوطني مع المجتمع الإسرائيلي، وهو من الأساليب الذكية في المقاومة، وهو اسلوب جديد في محتواه، وإن كان بالمعنى الشكلي موجودا منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي. فهذا الاسلوب، ترفضه بعض القوى اليسارية والدينية، وتعتبره شكلا "تطبيعيا" يصب في "خدمة" إسرائيل. ولكن إذا فكرت تلك القوى بشكل علمي وبعيدا عن العواطف والشعارات الديماغوجية الطنانة، فإن المراقب يلحظ، ان هذا الاسلوب مثمر ومفيد ويخدم معركة اختراق المجتمع الإسرائيلي لعدة أسباب: اولا لا يندرج في دائرة التطبيع المعادي اي الهدف الإسرائيلي، بل هو ينفذ بشكل واع وهادف عملية غسل دماغ للعقل السياسي الإسرائيلي لإعادة نظر في متاهة الحرب والاستعمار الإسرائيلي من قبل لجنة التواصل؛ ثانيا يتم العمل في نطاق خطة عمل منهجية لاستقطاب قوى إسرائيلية جديدة لصالح الرؤية الوطنية الفلسطينية وعملية السلام؛ ثالثا يكسر حواجز الثقافة السياسية والدينية الاستعمارية الإسرائيلية؛ رابعا يعري الوجه القبيح لدولة التطهير العرقي الإسرائيلية؛ خامسا يساعد تدريجيا في تكريس مفاهيم التعايش والسلام في اوساط قوى كانت لما قبل اللقاء بها منغلقة ولا تعرف سوى الرواية الإسرائيلية؛ سادسا يدعم وحدة ابناء الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل، وينزع من يد إسرائيل وادواتها الاستعمارية الأمنية والفكرية كل مرتكزاتها التمزيقية لوحدة ابناء الشعب الفلسطيني، وتأخذ (اللجنة) وبالتعاون مع القوى الوطنية والديمقراطية المنغرسة في اوساطهم ( اللجنة المتابعة العربية العليا، القائمة المشتركة، اللجنة القطرية للمجالس المحلية، ومع الاحزاب والقوى كل على انفراط وبشكل مشترك) بيدهم جميعا وخطوة خطوة للوصول إلى الوحدة الكاملة على اساس القواسم المشتركة الواحدة، لمواجهة التحديات العنصرية والكولونيالية الإسرائيلية، وتحيل قوتهم جميعا كسند لكفاح الشعب في الأراضي المحتلة عام 1967، وفي ذات الوقت تعزز موقع ابناء الشعب ذاتهم داخل المجتمع الإسرائيلي لتحقيق هدف المساواة السياسية والثقافية والعدالة الاجتماعية.
هذا الشكل الذكي من المقاومة، مازال محل تباين واختلاف. ويحتاج إلى جهد مكثف من الحوار مع القوى السياسية، التي تعتبره "متعارضا" مع المصالح الوطنية.لإن قراءتها غير الموضوعية لإنجازاته، وعدم تمييزها بين شكلي التطبيع الإسرائيلي والفلسطيني. فالتطبيع او غسل الدماغ الفلسطيني للعقل السياسي الإسرائيلي، لا يخضع لمنطق التطبيع المعادي لمصالح وحقوق الشعب. وترفض لجنة التواصل الوطنية كل صيغ التطبيع مع إسرائيل، ولكن هذا لا يمنعها من مد الجسور مع الإسرائيليين المستعدين للاستماع للرواية الوطنية ولخيار التسوية السياسية. وبالتالي شتان ما بين التطبيع مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية وبين الرؤية الوطنية، التي تقودها القيادة بشخص الرئيس محمود عباس ولجنة التواصل الوطني. ولو لم تكن اللجنة تهدد الرؤية الاستعمارية الإسرائيلية لما أقامت حكومة نتنياهو الدنيا ولم تقعدها ضد رئيس واعضاء اللجنة، ولما سحبت البطاقات منهم، ولسهلت دخولهم وخروجهم. ولكنها تضع كل العراقيل في طريق لجنة التواصل الوطنية.
بالتأكيد المقاومة الذكية تحتاج إلى قراءة عميقة وواسعة لترشيد العقل السياسي الفلسطيني نحو مآلاته الوطنية، وبما يخدم أهدافه ومصالحه وحقوقه التاريخية دون تنازل عن ثابت من الثوابت الوطنية.