عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 كانون الثاني 2017

نبض الحياة - دروس هيلاريون كابوتشي

عمر حلمي الغول

رحل رجل الدين المطران هيلاريون كابوتشي مع مطلع العام الجديد، معلناً القطيعة مع الزمن الجديد. توقف قلب المناضل الوطني والقومي بعد تحرر حلب. نام على وسادة الخلود، بعد أن رأى النور في مسقط رأسه، وشاهد قداس عيد الميلاد يعود من جديد لمدينته، التي صرخ فيها صرخته الأولى في مارس 1922. غادر كابوتشي الإنسان غير عابئ بما سيكون عليه الحال بعد الرحيل، لكنه على يقين أن الأجيال الجديدة ستعيد الاعتبار لوحدة الأرض والشعب في سوريا العروبة، ولن يسمح أبناؤها بتدميرها وتقسيمها كما فعل الأعداء في العراق وليبيا، وكما احتلوا فلسطين وطردوا شعبها في 1948 و1967.

المطران الجليل كابوتشي صاحب مسيرة كفاحية مميزة. سجل موقعه في التاريخ كبطل وطني وقومي، وليس رجل دين فقط. تولى الراحل مسؤوليته الدينية مطرانا لكنيسة الروم الكاثوليك في العاصمة الفلسطينية، القدس في العام 1965. لم يكن المطران محايدا في الصراع مع إسرائيل، بل كان منحازا لهويته القومية وملتزما بالدفاع عن قضية العرب المركزية، قضية فلسطين، التي نذر نفسه لرفع رايتها، والمشاركة في دعمها بالقدر الذي يستطيع ومن موقعه الديني. فأولا كان رافضا للنكبة والنكسة الفلسطينية العربية؛ وثانيا مؤمنا بعدالة القضية، وشديد الإيمان بعمق الروابط الأخوية بين شعوب الأمة العربية؛ ثالثا رافضا فكرة عزل الدين عن العطاء والنضال، فمزج بينهما دون تردد، ولكن دون ان يخلط بينهما او يتاجر بالدين. وعكس ذلك بالمشاركة في نقل السلاح عبر سيارته الخاصة إلى المناضلين في القدس وعموم الضفة الغربية.

البطل السوري الفلسطيني العربي، هيلاريون كابوتشي اعتقل في اواسط 1974، وتم ضبطه في سيارته، وهو عائد من لبنان إلى فلسطين، وهي محملة بالسلاح والمتفجرات والصواعق. كان اعتقاله حدثا نوعيا، حيث غطى عناوين وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، لأنه شكل نموذجا رائداً لرجال الدين الإبطال كما الشيخ عز الدين القسام. صحيح انه لم يقد ثورة، لكنه كان شريكا حتى النخاع في الثورة، ودعمها بما يمتلك من الإمكانيات والقدرات. حكمت عليه محاكم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالحبس 12 عاما. لكن تدخل بابا الفاتيكان آنذاك، قلص الاعتقال لأربع سنوات، فأفرج عنه في نهاية 1977، وتم خروجه إلى منفاه في روما العام 1978.

لكن المطران الوطني والقومي لم ينقطع يوما عن فلسطين وقضايا أمته العربية، فواصل العطاء، وشارك في أسطولي الحرية شباط 2009 ومرمرة 2010 لرفع الحصار عن غزة. ولمواقفه الشجاعة تم تكريمه من قبل العديد من الدول العربية: مصر، السودان، ليبيا، سوريا، العراق والكويت بطابع بريدي عليه صورته.

بعد مشوار كفاحي طويل استمر طيلة عشرة عقود، توقف قلب الإنسان المناضل كابوتشي، ابن حلب الشهباء، الفلسطيني العربي الإنتماء في مساء الأحد الموافق الأول من يناير 2017 عن عمر ناهز ال94 عاما. رحل رجل الدين المتميز عن رحاب الدنيا إلى رحاب الخلود الأبدي. وترك لكل رجال الدين العبر والدروس في الوطنية والقومية والإنسانية. حيث لم يجد ما يحول بين عبادة الله من موقعه كرجل دين مسيحي وبين النضال الوطني والقومي. ورفض التزمت والتطرف، ولم يضع الدين فوق السياسة، ولم يتاجر بموقعه الديني، كما فعل ويفعل بعض رجال الدين الإسلامي. أعطى الدين ما له، واعطى الجهاد ما له. ولم يحاول الزج باسم الدين في نضاله الوطني والقومي. فهل يتعظ رجال الدين من جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من التكفيرين من تجربة البطل هيلاريون كبوتشي؟ وهل يستخلص الدرس الآخرون من المدارس والفرق الإسلامية الأخرى بعد الخلط بين البعدين الديني والسياسي؟

وداعا ايها المطران الجليل في خلودك السرمدي. وإلى جنات الخلد يا مطران المجهادين، لانك أهل لها. ودروسك في الوطنية والقومية لن تذهب هدرا، وستبقى علامة فارقة في كفاح الشعب العربي الفلسطيني، الذي سيبقى وفيا لشخصك وكفاحك ما بقي فلسطيني على وجه الأرض.

[email protected]