العالم بين وعودات الرئيس الأميركي المنتخب والحسابات السياسية للدول
بقلم: مراد شاهين - دائرة العلوم السياسية-جامعة بيرزيت
الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترمب، اثبت طوال حملته الانتخابية انه ليس رئيساً كمن سبقوه وانه رجل تغيير لا يعبأ كثيراً بنقد المنتقدين. وبما انه سيحكم بمساعدة جيش من الأعوان والمستشارين في شتى الاختصاصات فإنه عازم وعاكف على اختيار وتعيين شخصيات يستطيع المراهنة على ولائهم ومشاركتهم له قِيَمُهُ ومبادئه السياسية، الأمنية، الاقتصادية والاجتماعية. والوعود التي قطعها على نفسه امام ناخبيه فيها مؤشرات على أن التغيير أكيد وربما نوعي. وهذا يجعل الاهتمام العالمي بالانتخابات الرئاسية الأميركية له مبرراته. فالمسألة ليست ان رئيسا جديداً للقوة الأكثر تأثيرا في السياسة الدولية سيتسلم مقاليد الحكم فقط، وإنما ماذا سيتبع ذلك الحدث هو ما انشغل به العالم.
التغيير الموعود والمتوقع، في الولايات المتحدة الأمريكية يأتي في أشد المراحل السياسية العالمية المعاصرة دِقّةً وحَرجا. فالشرق الأوسط مستغرق في صراعات طائفية وعرقية دامية لا يبدو ان نهايتها مرئية ولا قريبة ولكنها لا تعتبر مصدر تهديد للسلام العالمي. الصين تستعرض قوتها الاقتصادية في جنوب شرق آسيا وإفريقيا وابعد من ذلك الى أميركا اللاتينية. وفي الآونة الأخيرة تكثف الصين من استعراض عضلاتها العسكرية الضخمة في منطقة بحر الصين، وفاقمت حالة الشعور الصيني بالقلق عندما هاتف السيد ترامب رئيسة وزراء تايوان. وفي روسيا (القياصرة) تشرب نخب انتصاراتها العسكرية المتتالية من جورجيا الى سوريا، وترسل تهديدات مبطنة لدول أوروبية شرقية. كوريا الشمالية، هي الأخرى تهدد استقرار شبه الجزيرة الكورية واليابان ولا تعير المجتمع الدولي اهتماما إزاء منع انتشار الأسلحة النووية أو حقوق الإنسان. أما الاتحاد الأوروبي الذي لأكثر من خمسة عقود وهو يبني للسلام ورفاه شعوب دوله الأعضاء فقد خسر عضواً من العيار الثقيل (سياسيا، امنياً واقتصادياً)، وبات يترنح تحت وطأة النزعات الوطنية المتطرفة التي تهدد بمزيد من الانسحابات لقناعتها بأن الاتحاد لم يعد مجديا.
خلال البضع أشهر التي سبقت الإنتخابات الرئاسية الأمريكية انْهَمَكَ العديد من القوى السياسية في العالم لوضع تصوراتهم لكيف يجب، أو يمكن، تحويل التغيير القادم في أميركا الى فرص تحقيق أو تعظيم المصالح الوطنية، أو حتى البحث عن بديلٍ للولايات المتحدة التي ظلت تلعب دور قائد للعالمين الحر والآخر الذي يبحث عن التحرر منذ 1946. ومع العلم أن عملية التغيير المنتظرة يمكن ان تُرى انها طبيعية وعادة تحدث للتأقلم مع سياق راهن، إلا أن عملية التأقلم بحد ذاتها قد تسهم في زعزعة الوضع الراهن بحد يفوق ذلك الذي استدعى ردود الأفعال في المقام الأول. ولكن التغيير الذي يعد به الرئيس المنتخب كافياً لشحذ ردود افعال دولية هامة وكبيرة – يصعب التنبؤ بكَمّهّا وَنَوعِها بدقة - قد تدفع العالم نحو الهاوية في خِضَمْ معترك التأقلم أو مقاومة التغيير في عالم الفوضوية السياسية.
في اليوم الذي تَلَى فوز السيد ترامب اظهرت دير شبيجل، الصحيفة الألمانية المرموقة، صورة كاريكاتورية للسيد ترامب على شكل مَجَرَّة مُنكَبَّة من الفضاء وعلى وشك اختطاف كوكب الأرض. لعل في تلك الصورة محاولة للقول بأن العالم في عهد الإدارة القادمة سيكون غير ذلك الذي طالما عرفناه.
فما الذي يعد الرئيس المنتخب وإدارته بتنفيذه؟ بشكل عام، السياسة الأميركية في ظل الإدارة القادمة ستكون انعزالية. فمقولة الرئيس المنتخب "امريكا أولاً" اختزلت مؤشرات واهية على السِّمَات العامة للسياسة التي سينتهجها حالما يتسلم مهام الرئاسة مع نهاية يناير 2017. وقد بدأت مظاهر انعزالية السياسة الأمريكية في رفض تبني الكونغرس الأمريكي (الجمهوري الأغلبية) لسياسات المناخ التي كانت إدارة الرئيس أوباما عازمة على دعمها وتبنيها خلال قمة باريس للمناخ قبل سنة تقريبا. واليوم يتنصل الرئيس النتخب من مقررات قمة المناخ التي انعقدت حديثا في مراكش انسجاما مع اعتقاده بأن قضايا البيئة عبارة عن خديعة ("hoax"). والنتيجة لذلك ستكون تخلي الولايات المتحدة عن دورها القيادي في مناصرة القضية التي قد يتعلق عليها مصير كوكبنا ونوعية حياة البشرية عليه. وفي مجال التجارة العالمية فقد كان الرئيس المنتخب قد وعد بالتَحَلُل من اتفاقية الشراكة التجارية عبر الهادي (TPP)، التي هدفت لمحاصرة النفوذ الصيني ومنعه من التمدد الى، والهيمنة في، جنوب شرق آسيا. كما وعد بإلغاء اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا اشمالية (NAFTA) التي قامت اساسا لمنافسة السوق الأوروبي الموحد.
والمسألة الثانية البالغة الخطورة وتُبدي فيها امريكا مظاهر التخلي عن مسؤولياتها كدولة عظمى اعتقاد الرئيس المنتخب بأن الصين هي من يتوجب عليه تولي قضية أمن شبه الجزيرة الكورية. والتحذير الذي اعلنه السيد ترمب إزاء تقديم الحماية والدعم الأمريكِيَيْن للدول، حيث لا يجب ان يَتوقع الحلفاء في أماكن مثل الشرق الأوسط وأوروبا خدمات اميركا مجّاناً. أما المسألة الأشد خطورة على سلام واستقرار العالم فهي انتشار الأسلحة النووية. فقد أعلن الرئيس المنتخب انه سَيُبْطِل الاتفاق النووي مع ايران والذي أُبرم لضمان منع امتلاكها أسلحة نووية في المستقبل. كما أعلن السيد ترمب قبل ايام ان على الولايات المتحدة تطوير وتقوية طاقتها العسكرية النووية كسبب من اسباب بقاء اميركا عظمى، مطلقا بذلك العنان لسباق تسلح نووي جديد. في ظل مثل هذا التوجه لا يمكن استبعاد سباق نووي محموم في الشرق الأوسط، مثلا، ولا يوجد ضمانات لِلَجْم القوى النووية في أوروبا أو في شبه القارتين الهندية والكورية.
كثيرة هي القضايا التي اخذت أميركا زمامها كقائد وملهم لشعوب العالم وكان ذلك اشبه بصمام الأمان للسلام الدولي، فإذا ما صدقت الوعودات والتنبؤات فإن تلك القضايا ستنفلت عن عقالها. لا إجابات مؤكدة على كيف ستتحول طبيعة الدبلوماسية الأميركية، ولا على كيف سينعكس ذلك التحول في طبيعة العلاقات الدولية (النظام/ اللانظام) في اللحظة الراهنة. ما يمكن الجزم به هو أن الفراغ الذي قد تتركه الانعزالية الأميركية سيكون سبباً أكيداً لتدافع قوى أخرى لِمَلْئِه. والقوى المحتمل أن تتنافس على القيادة في السياسة الدولية ليست اوروبا التي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وليومنا هذا بات جَلِيّاً للعالم ان دولها، مجتمعة أو فرادى، لا تمتلك القوة ولا الارادة على القيادة ولا تستغني عن حليفها الاطلسي العملاق. أما روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية فربما لديهما طموح القيادة ولكن ما زال مشكوك في قدرتهما على بسط ارادتهما على مستويات عالمية. والأرجح بقاء القيادة العالمية أميركية للمستقبل المنظور مع تراجع ملحوظ في ظاهرة العولمة (الأمركة).