عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 كانون الأول 2016

تغريدة الصباح - مشهد سريالي

حنان باكير

بيروت.. جميلة تظل تتعشقها، بكل تقلبات مزاجها، بصخبها وغضبها، بحنانها وهدوئها. تغضب منك، وتجد نفسك مرتميا في أحضانها. هي المدينة التي لا تستطيع أن تصرخ في وجهها، مهما جارت عليك!

لو قدّر لك أن تصير مخلوقا أثيريا، وتنظر من عل الى المدينة وأخواتها، لوجدت لوحة فسيفسائية منوعة، أو لوحة سريالية، يصعب عليك فك ألغازها. في نواح منها، معتمة تبعث فيك كآبة، لا طاقة للروح على احتمالها. آفة الطائفية الواضحة لم تعد خافية، أو نصبح كمن يخفي الشمس بغربال. الاصطفاف الطائفي في المناطق، بات هدف الناس، فلا ملاذ للمرء الا بطائفته. ولهذا بات تقبل الفكر الداعشي، ليس بالأمر الصعب، ويزيد غلاء المعيشة، وارتفاع كلفة الماء والكهرباء، الى تفاقم أزمة الناس الاقتصادية والنفسية.

حدثني شاب أعرفه، قال: لي صديق في سوريه، بيته الى جانب قاعدة لداعش، تعرض المركز لغارة طيران، لم يقتل منهم الا ثلاثة، بقيت جثثهم ثلاثة أيام، في العراء والشمس، ولم تتحلل ولم تتغير رائحتها! لم أدرك بعد، التغيير الذي طرأ على الشاب. قلت: معقول؟ لنترك قطعة لحم، لساعات في الشمس ونشتم رائحتها! ردّ: صديقي هذا أنا أصدقه، فهو لا يكذب وكلامه ثقة، وأقسم لي بالله! هنا أدركت التغيير الحاصل فأجبته: إن الله على كل شيء قدير!

وحتى لا أكون سوداوية المزاج، سأنتقل الى جانب آخر أكثر اشراقا وضياء، في تلك اللوحة السريالية. مجموعات متنورة تنشئ مؤسسات تعيد بناء النفوس المدمرة. فتبدو كبقع ضوء تنير حلكة ظلام دامس فرضته الحرب. تعرفت الى احدى تلك الجمعيات، من خلال ما تقوم به من أنشطة جذبتني، قبل أن تجمعني بهم الصدفة، أثناء مشاركتهن في يوم القدس.

"المجتمع معرفة والمعرفة قوة".. مقولة المفكر أنطون سعادة، كانت المشعل الذي أنار درب هؤلاء السيدات من مختلف الديانات والمذاهب، ومن بيئات لبنانية مختلفة، تقودهم سيدة نادرة الوجود، هي غاده فغالي. عزمت السيدات اللواتي هالهن حجم خراب ودمار الحرب اللبنانية، الى التفكير في عمل يوقف تدهور المجتمع. فخراب الحروب لا يعني دمار الحجر والشجر والعمران فقط، بل هو تدمير الانسان من داخله، وبكل قيمه.. ومن هنا انطلقت الجمعية نحو إعادة ترميم نفوس الأطفال. دروس إضافية في المدارس، فارتفعت نسب النجاح في الشهادات الرسمية. أدركن أن حب الفنون والطبيعة، هي ركن أساسي في تهذيب وتشذيب اخلاق الطلبة. فأقاموا الأنشطة الفنية في قاعات خاصة، وإقامة المعارض لهم. ومساعدة الفلاحين في قطف الزيتون وأشجار الفاكهة. تصنيف النفايات وفرزها، من ضمن عملهن ايضا. ولا يفوتهن، معادلة إشراك الطلاب من كافة الديانات والطوائف، ودمجهم في أنشطة واحدة تصهرهم معا، ولإيمانهن بأن لا شيء مستحيل، فقد أطلقن على الجمعية اسم "ممكن"!

الحجر يحلّ مكان الشجر. حتى صارت المدن، مدينة واحدة متواصلة، بقطع الأشجار واستثمار الأرض في البناء التجاري. ولأن للطبيعة عشاقها، الذين يدركون أهمية الحفاظ على الاحراج، فقد قامت جمعية "الثروة الحرجية والتنمية".. وهي كسابقتها، ضمت أعضاء من مختلف الأديان والطوائف والمناطق اللبنانية. نقطة البدء كانت من المدارس، من أجل تربية بيئية سليمة منذ الصغر، تعريف الأطفال بأنواع الأشجار والثروة الطبيعية، والحفاظ على البيئة. مشاتل الأشجار التي استحدثوها، توزع الأشتال على القرى والمدن، لتحريجها.. كما تم استحداث مشروع "السياحة الريفية" حيث يتم بناء منتجعات صغيرة في المناطق، تضم الألعاب الرياضية المتعلقة بالطبيعة، ولكل الأعمار..

في آخر زيارة لي لبلدة "الرملية" في الجبل، تسلقنا مرتفعا جبليا، ووقفنا على حافة جرف منحدر نحو الوادي. وكأن يدا جبارة قد قسمت الجبل.. وكان السبب حريقا شب في الحرج وتسبب في عملية الانهيار. حكى لي احدهم، كيف ربط بعض رجال الجمعية انفسهم بالحبال وتدلوا من على الجبل الى الوادي لإطفاء حريق الاشجار، غامروا بالنزول الى أتون النار لانقاذ الشجر ومنع امتداد الحريق!!

استحدث المشروع فكرة غرس شجرة لكل مولود في المدن والقرى.. أخبرتهم أن هذا أيضا طقس فلسطيني من أيام أسلافنا في فلسطين!