عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 كانون الأول 2016

تغريدة الصباح –عالماشي.. ملاحظات عابرة

حنان باكير

المفاضلة والمقارنة القائمة على التفضيل، لا تروقني. لكني أحيانا أجد نفسي أقع فيها، ليس من باب التحطيم، بل بدافع الغيرة. فمن نعم ربي عليّ أني لا أعرف الغيرة، بكل أنواعها، الا حين تتعلق بمشاهد التخلف والجهل والفقر في مجتمعاتنا، مقارنة بما نشاهده في بلاد أخرى.

شاءت الصدفة، أن أشهد في أوسلو معرضا للكتاب، وحفلة توقيع كتاب نرويجي، قبل مجيئي لبيروت بأيام. وصادف أيضا حضوري هذه السنة لمعرض الكتاب في بيروت. ما يعني أن هاتين الصورتين ما زالتا طازجتين وماثلتين في الذاكرة القريبة، فوجدت نفسي متورطة بمقارنة، لا تهب الارتياح.

تجولت في معرض بيروت. لم أقصد تطبيق المثل القائل "من راقب الناس مات هما". لكن العين ترى وتلتقط بعض الأمور، قبل أن تغضّ الطرف.. لفت انتباهي بعض الأمور، التي شغلتني عن الاهتمام بالكتب. عدد كبير من النساء، حضرن بملابس جميلة وأنيقة، لكنها تليق بسهرة، أو زيارة رسمية مسائية. كعوب أحذيتهن عالية بارتفاع طابقين. مكياج صارخ وفاضح. المشهد يعطي انطباع سهرة "سواريه". لا أجمل من الأناقة والترتيب، لكن اختيار نوع الملابس التي تلائم المناسبات وأوقات النهار هو أمر ضروري أيضا.

المعرض كان، مناسبة للقاء في الكافتيريا، بمعنى آخر للنزهة، وتناول القهوة والمرطبات والحلويات.. أو للظهور أو التظاهر، بالانتماء للطبقة المثقفة. وبالطبع لا نظلم الجميع، ولا نساوي بينهم.. ومن خلال مشاهدتي للعديد من معارض الكتب عندنا، لاحظت أن لكل كاتب مريديه وأصحابه، الذين جاءوا للدعم والتشجيع. ونادرا ما تجد مهتما يقف ويتمعن في انتاج كاتب لا تربطه به صداقة أو معرفة! فهل مردّ ذلك لكثرة الإصدارات والمؤلفين؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه دور النشر في تسويق الإصدارات، بعد أن أصبح الكاتب يتحمل كافة تكاليف النشر! ولا نعمم هذا الادعاء، فبعض دور النشر ما زالت تتبنى إصداراتها، وبعضها يهتم بتوزيع الدعوات والدعاية لإصداراتهم، وتحمل تكلفة سفر كتابهم، من خارج لبنان.

في آخر معرض للكتاب شهدته، في مدينة أوسلو، كانت حشود المعرض، من النساء والرجال، في ملابسهم العادية اليومية.. فبعضهم جاء من عمله، وبعضهم ذاهب الى أشغاله. لا وجود للشللية حول كاتب معين. تستوقفهم عناوين الإصدارات، يتحدثون ويتناقشون مع الكاتب حول أفكار الكتاب! صاحب دار النشر هو العنصر الديناميكي في المعرض، كما هو دوره في الدعاية ونشر الدعوات.

ندوة الكاتب، تكون حول الكتاب، وعرض الأفكار الواردة فيه. قلما تجد ندوة، لا يدور فيها نقاش طويل بين الحضور والكاتب. وبعضهم تستوقفه بعض النقاط، من خلال تقليبه للكتاب، فتكون مثار جدل مع المؤلف، أو بين الحضور أنفسهم! باختصار، المعرض عبارة عن ورشة عمل ثقافية، تتجاوز أحيانا الكتب وما تدور حوله من موضوعات.

أعترف أن المقارنة ظالمة بين شعوب يتلقى كتابها الدعم والتشجيع وتوفير أجواء ملائمة للابداع، من دولتهم، وبين كتّاب العالم الثالث.. في النرويج، يتقدم الكاتب بطلب الى وزارة الثقافة، يتضمن أفكار الكتاب الذي ينوي إنجازه، وكم سيستغرقه من الوقت للإنتهاء منه. وفي حال الموافقة عليه، يطلب من الكاتب تقديم أوراق عقد ايجار بيته، وعدد أفراد أسرته، أي حصر تكاليف معيشته في شهر. وتتكلف الدولة بتأمين الراتب الشهري اللازم للكاتب، على أنه اذا ما تجاوز المدة التي حددها للانتهاء من كتابه، فإن الوزارة غير معنية بتقديم الدعم للمدة الإضافية.

زرت وشاركت في العديد من الأنشطة الثقافية النرويجية، التي أقيمت في بيوت كبار كتابها، التي تحولت الى أندية ثقافية ومتاحف، مثل هنريك ابسن، وفيرجلاند وهامبسون.. كانت بيوتهم أشبه بالقصور، ما يدل على رفاهة عيش الكتاب، رغم بداياتهم الفقيرة. في قلب أوسلو تحولت سينما "الدورادو"، الى معرض دائم للكتاب، وقاعة تقدم لحفلات توقيع الكتب، والمحاضرات، لأي كان ولأي جهة، فقط مقابل الحفاظ على نظافتها! نصلي من أجل يوم، تصبح فيه الثقافة عبادة!