علامات على الطريق - أين تلاشت جوقات ومنظومات الضجيج؟
يحيى رباح
لا يزال المؤتمر السابع لحركة فتح الذي نجح نجاحا باهرا يرسل الاشارات، يقبل التحديات، ويطرح الأسئلة من الوزن الثقيل، وفي مقدمتها ذلك السؤال الكبير سواء طرح بهدوء أو بصخب، السؤال الذي يقول: أين ذهبت جوقات ومنظومات الضجيج التي منذ شهور قبل انعقاد المؤتمر وهي تتحرك في المسافات الشائكة بين الاشياء، وتدعي معرفة ما لا يعرف، وتطرح الخيارات الوهمية، وتعرض نفسها كما لو انها قبل كل بداية وبعد كل نهاية؟
أين جوقات ومنظومات التحذير والتخويف والتهويم الذي يشبه في بعض مفاصله الالعاب السحرية القائمة على الوهم والايهام؟ لقد تلاشت جميعها، وانزوت تلعق الجراح ربما في انتظار اشارة تأمرها بالضجيج من جديد.
هذا السؤال بسيط المظهر وعميق الجوهر، وعلى العموم فقد قال الفلاسفة من قبل ان ابسط الاسئلة هي نفسها اعمق واصعب الاسئلة، فما بالكم بالحالة الفلسطينية المفرودة على اتساع رقعة العالم، وكل يدعي وصلا بليلى، وليلى بريئة مما يأفكون، وفلسطين تكمن خصوصيتها ان مكان الامان عندها هو نفس مكان اقصى الخطر، وجرح ذوي القربي اشد مضاضة، وتعدد ابعادها من البعد الوطني الى القومي بخلافاته المفرطة إلى الاسلاموي بتداعياته المأساوية إلى البعد العالمي، يجعلها موضوعيا مسكونة بالشجاعة، والوعي الاصلي، وتسمع في الحديث اليها نغمات الرحمن وهمسات الشيطان، حتى ليصعب في كثير من الاوقات ان تفرق بين من يريد ان يقبلك ومن نريد ان يطعنك، ولكن حامل سر القضية مجبر على التعاطي مع الجميع!!
ولقد مرق المؤتمر السابع لحركة فتح مثل علامة مقدسة من بين كل السهام المسمومة والمشاعر المفتعلة فكان مكان انعقاده في ارض الوطن رغم كل المرارات، واين هو البديل الامن؟ وأين هو الخيار الاخر الذي لا تشوبه شائبة؟
وكان الجهد الاداري والتنظيمي واللوجستي والفني آية في الاتقان، وكانت الرسائل السياسية التي وصلت الى الجميع، علما بأن فتح سادنة السر الفلسطيني تعرف ان زيادة الترك تؤدي الى عبقرية الانتشار وزيادة الضغط تؤدي الى عبقرية الانفجار، والافضل لجميع الاطراف ان تكون المسائل، "كما يقول المعتزلة، عند حدود المنزلة بين المنزلتين"، وكان عنصر الاختيار الحر متاحا الى الحد الاقصى، فنجح من نجح، ورسب في الامتحان من رسب، ودفع العديدون اثمانا كانوا يظنون انهم فالتون من الدفع والحساب والمسائلة، وأخطر حلقات المسائلة هي اضاءات الوعي العميق الصامت، وبرزت الى الوجود جذرية النخب السياسية الفلسطينية التي اعطت بعمق ولم ترتكب نقيصة واحدة، وتم تمييزها بقوة من خلايا الجاسوسية الدولية التي تنتشر لتحدث الضجيج، وتختبئ في مسامات التقاطعات السوداء، ولذلك نجح المؤتمر ان يكون انطلاقة، وان يكون وعدا جديدا واملا جديدا، وان يكون خطة عملية، وحلما جامعا، وخيارا ديمقراطيا، ومنهج حياة، أما جوقات الضجيج ومنظومات الضجيج، فربما يلزمها وقت اضافي حتى تبرأ من جراحها وتتخلص من آلام خيباتها، وتنزل الى الحلبة من جديد.