تغريدة الصباح– مشاهدات بيروتية
حنان باكير
في قلب المكان وزحمة الحياة، لا تلفت انتباهك دقائق الأمور... لكن الغياب والعودة من حين لآخر، يجعلك تلحظ أدق تغيير يطرأ على المكان... والتغيير يطال النفوس كما الأماكن. ففي بيروت كما في أوسلو، تستوقفني بعض اللقطات، بعد كل عودة.
أسير في شارع الحمرا، الذي تغيرت بعض ملامحه، الى حد ما. ومن بين زحمة الوجوه الغريبة، يبرز لك وبالصدفة، وجه قديم من تاريخك الذي مضى، فيغمرك بعض الفرح... المصور الصحفي علي شرف الدين، الذي رافقني للتصوير في العديد من التقارير. الكاتب والصحفي ألبير خوري، الذي ترافقنا في مسيرة مجلة الشاهد، ومكتب جريدة الخليج، والعديد من قدامى الأصدقاء. حافظوا على ملامحهم، مع شيء من لمسات النضج. ترافقت وألبير خوري، للقاء المخرج والممثل المسرحي، روجيه عساف. وهو صاحب موسوعة في تاريخ المسرح. ولولا الدعم الفرنسي، لما رأت النور موسوعته التي لم تكتمل بعد.. ألهذا السبب أعاد كتابتها باللغة الفرنسية! الفنان القدير روجيه، يرى في التشاؤم سلاحا ضد اليأس.. ويرى أن فلسطين ما زالت وستبقى حية في الأدب والفن والمسرح، رغم كل الخراب السياسي. حين ودعته قلت له: نلتقي.. قال: في القدس!
في أوروبا اعتدنا تثبيت حزام الأمان حال جلوسنا في السيارة. أمارس هذا التقليد هنا في بيروت أيضا. وفي كل مرة، يقول لي السائق: خلص ما في داعي، وما عاد في غرامة على الحزام! فأقول له: هذا الحزام ليس قصاصا، واستعماله ليس خوفا من الشرطي، ولكن للدوافع الأمنية، وهل الغرامة المالية، أثمن من سلامتنا وأرواحنا! فيسارع أحد السائقين ويتكرم بإعطائي درسا، في القضاء والقدر، وألا يصيبنا الا ما كتب الله لنا! فلا أملك الا أن أشكره على الدرس.
في بيروت أيضا... مسكين أنت، ان كنت مثلي، لديك حساسية الدخان. حينئذ، تلزم بيتك وتكتب على بابه: رجاء ممنوع التدخين لأسباب صحية، وأعدك بأن بابك لن يطرق اطلاقا! شوقك للناس، يدفعك لزيارتهم، لكن شوقهم اليك لا يحملهم على التضحية، وتخفيف نفث دخان السجائر والاراكيل، بتنباكها العجمي الفاخر والمعسل على انواعه! لا تنتهي من زيارتك الا وتكون قد تحولت الى جسد مدخن، على طريقة "السمك المدخن"، ولا من يرأف بحالك. حين أنهي زيارتي. أشكر مضيفي، مع إعلامهم أن فاتورة المصبغة ستصلهم غدا الى البيت. فربما تكون غرامة، يحاولون تجنبها لاحقا. ثم أسير في الطريق مثل منفضة سجائر متحركة.. " تنفث أريجها".
مساء أمس، وأثناء كتابتي للتغريدة، قرع باب شقتي. كانت جارتي التي تسكن الطابق الرابع، بدت متوترة وعصبية، وانهالت باللعن على البناية، والساعة التي انتقلت اليها. فقد طافت المياه في مطبخها. كانت تصرخ: غير معقول أن يتحول بيتي الى ورشة لأعمال السنكرية... صارت زيارة السنكري لبيتي طقسا يوميا... يلعن هالعيشة وشو هالبلد... وفجأة صمتت وغادرها الغضب، وارتسم الانفراج على محياها... وبدأت تشمشم كالقطة... قبل أن تسألني: في ريحة حلوة، ما نوع عطرك؟ ابتسمت بخبث وأجبتها. ولدقيقة تحدثنا عن أنواع العطور، قبل أن تصحو وتنفجر ضاحكة... فتجرأت وضحكت... وقالت: يا ربي أنا وين كنت ووين صرت! صحيح الناس بالناس والقطة بالنفاس! أجبتها... دائما هناك لمسة صغيرة تقلب النكد ارتياحا... همسة عطر، عطرتنا بفرح صغير. ضحكنا من القلب... وعلى الباب ودعتني قائلة: أنت سافرت وحافظت على سلامة عقلك!