الذاكرة الوفية – كمال محمد درويش
عيسى عبد الحفيظ
تفتحت عيناه على محنة شعبه، فهو من مواليد مخيم دير عمار قضاء رام الله. المخيم الذي يطل من رام الله على اللد والرملة، المكان الذي غادرته عائلته بسبب النكبة عام 1948 لتحط بها الاقدار في مخيم بائس في دير عمار ربما إمعاناً في القهر والحسرة ولكي تبقى الذكريات التي في متناول البصر والرؤيا من بعيد.
هجرة قسرية أودت بمئات الآلاف من الشعب الفلسطيني الى المنافي القريبة منها والبعيدة، وكانت عائلة الشهيد كمال احدى هذه العائلات التي اضطرت أسوة بغيرها الى الهجرة تحت تهديد الحديد والنار.
استقرت العائلة في مخيم دير عمار قريبة من مسقط الرأس لتلقي نظرات الاشتياق واللوعة على العز التليد وعلى خوابي الزيت وعلى الارض التي رويت بعرق الأجداد.
مثل باقي أبناء جيله، دخل كمال الى مدرسة الوكالة التي وفرت له تعليماً مجانياً حتى نهاية المرحلة الاعدادية، ثم انتقل بعدها الى المدرسة الثانوية الرسمية في بيتللو ثم التحق بدراسته العليا في معهد المعلمين التابع أيضاً لوكالة الغوث الدولية في رام الله ليتخرج معلماً ويعمل في المدارس التي تخرج منها.
كان ذلك في قرية خربثا بني حارث أين بدأ بتلقين التلاميذ ما تيسر من العلم وما كثر من الوطنية. كانت مهنته كمعلم تتعدى التعليم الكلاسيكي الى ما هو أبعد من ذلك. فالوطن هاجس دائم لا يفارقه ليل نهار، وهو مطبوع في الذاكرة العصية على النسيان والحلم الأبدي الذي يستقر بين الاهداب كل ليلة عندما يضع رأسه على الوسادة.
لم يرق عمله الدؤوب لسلطات الاحتلال التي تراقب عن كثب كل النشاطات الوطنية وتحصي كل الأنفاس التي تلهج بالوطنية ورفض الأمر الواقع وضرورة المقاومة والتصدي لعمليات غسل الدماغ التي تسعى لجعل الاحتلال وكأنه قدر محتوم ولا مناص من التأقلم مع الواقع، فتم فصله من وظيفته حتى لا يترك تأثيراً على طلابه. التأثير الذي يزرع في نفوسهم ارادة التصدي والمقاومة.
لم يكن قرار سلطات الاحتلال بالفصل التعسفي للمعلم كمال ليمنعه من الاستمرار بالنضال الذي آمن به كطريق للانعتاق والحرية، بل على العكس تماماً فقد تطورت صور المجابهة والتحدي عنده الى ما هو أكثر وأشد ضارباً بعرض الحائط بكل ما يمت للمادة وسبل العيش.
بدأ بالمواجهة المباشرة مع قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين التي تستخدم طريق دير عمار وتحيط مستوطناتها بها من كل ناحية.
كانت الحجارة هي سلاحه الوحيد الذي ينفس فيه عن قهره، فالرجم هو الطريقة المثلى للتعبير عن ظلم وقع عليه وعلى عائلته منذ عشرات السنين.
كانت طلقة الغدر بانتظاره من أحد المستوطنين الذين تأصلت في نفوسهم حقداً ازلياً، وكانت في مقتل أدت الى استشهاده فوراً.
غاب بدر من سماء الوطن وطارت رفوف السنونو جافلة من صوت الرصاص الحاقد، ليسقط كمال حاضناً صورة منزله في الرملة.