اليوم العالمي للتطوع.. وحدة العمل لتطور المجتمع الفلسطيني
بقلم أشرف عباهرة

يحتفل أكثر من مئتين وخمسين مليون متطوع حول العالم باليوم العالمي للتطوع، هذا اليوم الذي يرمز إلى الدور الإنساني والحضاري والوطني الذي يقومون به كل في موقعه وكلا حسب تخصصه، هذا اليوم الذي توحد تحت مدلولاته ملايين البشر بغض النظر عن قوميتهم والوانهم ومعتقداتهم السياسية والدينية وأكدوا خلاله على الدور الذي يمكن أن يلعبوه في سبيل مساعدة المحتاجين والتخفيف من معاناتهم وويلاتهم.
في هذا اليوم يؤكد المحتفلون به انه لا حدود للعطاء الإنساني ولا مثيل لهذا الواجب الذي يقوم به المتطوعون حول العالم في التخفيف عن كاهل مجتمعاتهم على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. إن مفهوم التطوع في العالم العربي بغض النظر عما يقال عنه وعما نشاهده من مبادرات تطوعية وأنشطة مختلفة ينفذها المتطوعون هنا وهناك بحاجة إلى تعزيزه والنهوض به إلى الأمام، خاصة في ظل الظروف السياسية والاجتماعية التي تعيشها غالبية الدول العربية من عدم الاستقرار والنزاعات الداخلية والحروب والفتن الطائفية وغيرها، كل ذلك يزيد الحاجة لمثل هذا العمل والذي يساعد كثيرا في الحفاظ على النسيج الاجتماعي للدول وتعزيز الانتماء الوطني لدى افرادها عموما.
والعمل التطوعي لا يقتصر أداؤه وتنفيذه على الدول الفقيرة أو على دولة دون اخرى كما يعتقد البعض، فهناك دول عظمى قدمت نموذجا رائعا في هذا المجال، وهناك دول في العالم غنية جدا تعتبر العمل التطوعي أساس نموها واقتصادها وازدهارها، وهناك نموذج آخر من الدول يعتبر المتطوعين مخزونا وطنيا وقوميا، وعليه فإنها تدعمهم وتقدم لهم كافة المساعدات المطلوبة ليقوموا بعملهم على أكمل وجه مزودين بإيمان عميق بضرورة ترسيخ هذه الظاهرة وتعزيزها.
في هذا اليوم يحتفل آلاف المتطوعين من ابناء شعبنا الفلسطيني بهذه المناسبة، التي تختلف بعض الشيء عن احتفال باقي شعوب العالم، لأن للعمل التطوعي في فلسطين لونا وطعما مغايرا، كون معظم أشكال التطوع في فلسطين يتم تحت نير الاحتلال للارض الفلسطينية، ابتداء من الانتداب البريطاني والدور الذي لعبته بعض الفلسطينيات في مجال تأسيس مجموعات تضم متطوعات من النساء اللواتي آمنَ به وبضرورته حينذاك، والمكانة الرفيعة التي يجب ان يحظى بها هذا العمل والذي حورب في ذلك الوقت من قبل الاستعمار البريطاني باعتباره عملا وطنيا واجتماعيا يخدم شرائح المجتمع المختلفة واستمر هذا الجهد وبغض النظر عما لاقاه من مضايقات والحد منه بشكل مباشر أو غير مباشر، كي يتطور ويعمم ليشمل مناطق الوطن وينضم إلى صفوفه أكبر عدد ممكن من ابناء الشعب الفلسطيني نساء ورجالا، وليشكل نواة للعمل التطوعي المنظم في فلسطين عبر تلك الجمعيات النسوية والأندية والاتحادات وغيرها.
إن الدور الكبير الذي لعبته هذه الجمعيات بكوادرها التطوعية خلال الفترة الواقعة بين 1917 – 1948 كان كبيرا لتنهض من جديد لإعادة تنظيم صفوفها واستنهاض عناصرها للبدء بجولة اخرى مع احتلال آخر يعتبر الأقسى والأصعب.
لقد نهض العمل التطوعي في فلسطين رغم كل ما لاقاه من محاولات لطمس معالمه والحد من انتشاره لأن انتشاره يعني في عرف الاحتلال نهوض المجتمع وترابطه الأسري والاجتماعي، وهذا ما لا يريده الاحتلال الاسرائيلي.
إن ارض فلسطين بجبالها وسهولها وزيتونها وأزقة قراها ومدنها ودماء شهدائها وجراح مناضليها شاهدة على الدور الوطني الكبير الذي لعبته الجمعيات الفلسطينية التطوعية والتي كان يتشكل معظمها من النساء الفلسطينيات اللواتي أبهرن العالم بأفكارهن وعطائهن وانتمائهن الوطني والانساني اللامحدود ورفضهن لكل أشكال الاحتلال والاذلال والقهر.
ان العمل التطوعي هو الأساس الذي استندت إليه الثورة الفلسطينية المعاصرة عبر انضمام آلاف الثوار إليها سواء في داخل فلسطين أو من خارجها الأمر الذي ساهم في تعزيز هذا المفهوم وتطبيقه على أرض الواقع عبر التضحيات التي قدموها من أجل وطنهم وشعبهم.
وهذا ليس غريبا على شعبنا الفلسطيني الذي تفنن بابتداع أشكال جديدة من التطوع الذي حاول الاحتلال طمسه وقتل روحه المعطاءة.
وهو ما اكدته انتفاضة الحجارة في العام 1987 التي كانت الأبرز في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني بكل فئاته العمرية وانتماءاته الحزبية واعتقاداته الدينية فلم يقتصر العمل التطوعي حينذاك على فئة عمرية معينة دون غيرها وإنما شمل الجميع حيث قام كل واحد بواجبه اتجاه وطنه للارتقاء به الى اعلى درجات التقدم والتطور وبناء منظومة تطوعية متطورة، ولتثبت المرأة الفلسطينية من جديد انها قادرة على القيام بواجبها التطوعي جنبا الى جنب مع الرجل عبر كل الظروف والأزمان.
ان العمل التطوعي في فلسطين ما زال يحافظ على الحد الأدنى منه بغض النظر عن التراجع الذي شهده نتيجة لعدة أمور، أبرزها عدم وجود جسم وطني واحد يرعى هذا العمل ويعزز دوره في مجال النمو والتقدم والتحرر، وانتشار ظاهرة البطالة بين أفراد المجتمع الفلسطيني خاصة الشباب عدا عن الضغط الكبير الذي يمارسه الاحتلال ضد المبادرات التطوعية لانهاء هذه الظاهرة التي تعتبر أنبل ظاهرة عرفها التاريخ.
ان فلسطين وشعبها بأمس الحاجة للعمل التطوعي وإلى الدور الذي يقوم به المتطوعون على الصعيد الاقتصادي والإنمائي خاصة ان فلسطين ما زالت محتلة، والتطوع يساعد في تعزيز الترابط الأسري والاجتماعي ويقوي بنيان المجتمع التي يسعى الاحتلال دوما لتفكيكها واضعافها بشتى الوسائل والسبل.
وتأسيسا على ما تقدم فإن الحاجة تستدعي تعزيز دور المتطوعين ورعايتهم وان تلعب المؤسسات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية والأحزاب والجمعيات والتنظيمات دورا أكثر وأوسع في التأكيد على أهمية العمل التطوعي في خدمة وتطور المجتمع، وان تعمل على وضع استراتيجية وطنية شاملة متكاملة للنهوض بالعمل التطوعي واعادته الى مساره الصحيح وتكون لنا عودة للتاريخ الفلسطيني الذي كتب من دماء وعرق وجهد وعطاء الآلاف من المتطوعين.
ان العمل التطوعي يعتبر من أقصر الطرق للتحرر والتقدم والازدهار والتطور والرقي وهو كذلك الأقرب الى الوحده الوطنية والسبيل لاقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشريف.