عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 كانون الأول 2016

تغريدة الصباح – لبيروت تغريدة صباحية

حنان باكير

نشتاق لأماكن قديمة تجمعنا بها ألفة حميمة. حين آتي بيروت بكل الشوق، فإن الجولة الصباحية الأولى لي، تكون في شارع البيت. أتفقد التغييرات فيه، كما تتفقد الأم صغارها في الليالي الباردة. فهنا أفتقد حميمية العلاقات، الحديث مع الجيران، يستوقفني أصحاب المحلات للدردشة.. العديد من المحلات قد أغلقت لأسباب اقتصادية. أبنية قديمة تهاوت ونبتت مكانها أبنية حديثة، وسكان جدد.

دخلت هنا الشهر الأخير من السنة، شهر عيد الميلاد. من على شرفة منزلي، بدا الشارع كما تركته آخر مرة، لكنه لم يكن هو ذاته كما اعتدناه في مثل هذا الشهر.. لسنوات طويلة اعتاد هذا الشارع، أن يرتدي زينة عيد الميلاد. شجرة كبيرة تزينه، الى جانب شجرات صغيرة داخل كل محل. صوت جرس الكنيسة، موسيقى وتراتيل ميلادية حنونة، لا تتوقف عن الفرح الناعم.

وفي ليلة الميلاد، يغلق الشارع من طرفيه، وفي وسطه تصطف الطاولات المزينة، وعليها أصناف الطعام والشراب المجانية لكل العابرين.. و"بابا نويل"، يطوف في الأرجاء بجرسه الصغير، وعلى ظهره كيس الهدايا.. يوزعها على الأطفال، ويزرع الفرح في عيونهم. كان الحزب السوري القومي الاجتماعي يقود مسيرة الفرح هذه. الآن صار هذا الفرح مجرد ذكرى لمن عايشوه. والحيّ بدأ تدريجيا يغير ثقافته. فبعض المكتبات تحولت الى مرابع ليلية، ازدحامها في "الويك إند"، تشي ببحبوحة مادية، لا أزمة اقتصادية.

المقاهي الثقافية التي اشتهر بها شارع الحمرا، الذي عرف بشانزيليزيه بيروت، تحولت الى مقاه شبابية، والأركيلة سمتها الأساسية. هي أكثر ربحا. فالمثقفون فقراء على الأغلب، يجلسون الساعات الطوال على فنجان قهوة واحد. وبعض المقاهي صار محلا لبيع الملابس.. فالسوق عرض وطلب! لكن هذه القاعدة لا تنطبق على الأبنية التي تقارب ناطحات السحاب. أبنية كثيرة شيّدت منذ سنوات طويلة ولم تُسكن، بدأت حجارتها الجميلة تتساقط، وتحافظ على عتمتها ليلا.. بقيت مثل نساء جميلات مهجورات.

صعب عليّ أن أسير في شارع الحمرا، ولا أتذكر الطبيب اللبناني "بشارة دهّان"، لم يكن في زماني. كان طبيبا متطوعا رحل الى عكا الجديدة، وقرب بيت "فضة"، أنشأ مستوصفا خيريا لمعالجة الجرحى والمرضى. اعتبره تبرعا من الشعب اللبناني.. كتب على يافطته "الصليب/ الهلال الأحمر".. كان ذلك سنتي 46/47، لم أكن قد ولدت حينها! بقي يعمل متطوعا الى حين سقوط المدينة. فعاد الى بيروت وافتتح عيادة في آخر شارع الحمرا. صار معروفا بالطبيب الذي كان في فلسطين، ونال شهرة واسعة، بهذا التعريف.

شاءت خطواتي أن تحملني أيضا الى مكان، لم أكن أقصده، هي الصدفة فقط. منطقة المريجة، ربما سرت فيها لآخر مرة، يوم كنت أنقل المناشير الحزبية لأخي، ولم أكن أتجاوز الثانية عشرة من عمري! شاهدت الى جانب الطريق، سيارة كبيرة قديمة، جرى تحديثها.. استوقفتني. قلت لصديقتي.. ياه ذكرتني بشيء ماض. درت حول السيارة دورتين وأنا أنقر على حديدها.. كانت "أولدزموبيل"، جاءني صوت بعيد من خلفي: أهلين بنت أبو زهير! التفت. الرجل طويل منتصب القامةـ  أبيض الشعر والشاربين العريضين المفتولين الى الأعلى، بدا وكأنه خارج من كتاب التاريخ. سألته. أتعرفني؟ قال: درسنا معا في مدرسة اتحاد الكنائس الانجيلية، ومديرنا ابو فريد الجراح من عكا! وليزيد الغرابة التي ربما، ارتسمت على وجهي، قال: وأعرف ما الذي استوقفك في هذه السيارة.. لم يترك لدهشتي أن تأخذ مداها.. وتابع تذكرتِ سيارة والدك "الكاديلاك"، التي كانت متميزة في المنطقة. وهذا صحيح.. كان يتحدث بوجه حيادي وجاد، في منطقة شبه مهجورة، ما أرهبني. قلت له: فرصة سعيدة، لا أريد مزيدا من الغموض والرهبة. تابعنا سيرنا.. وصوته يحملني سلاما لإخوتي بأسمائهم.. وداخلي يقول: الأماكن أيضا لها ذاكرتها، التي تفرضها علينا!