قراءة في قرار مجلس الوزراء بمنع الازدواج الوظيفي
بقلم: د. عودة مشارقه - أستاذ ادارة اعمال في جامعة القدس المفتوحة

أثار قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 27/9/2016، الخاص (بمنع العمل خارج إطار الوظيفة العامة) جدلا واسعا في أوساط الموظفين والمراقبين ورجال القانون، والذي بموجبه يكلف رؤساء الدوائر الحكومية بعدم تجديد الموافقات الممنوحة للموظفين للعمل خارج الوظيفة، ابتداء من 1/1/2017م، كما أنه يشمل المدنيين والعسكريين، وطالب رؤساء الدوائر الحكومية أي الوزراء ومن في حكمهم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق من يخالف هذا القرار.
للوهلة الأولى فإن هذا القرار وفي اشارة واضحة وفي مادته الثالثة، يظهر بوضوح أن موافقات سابقة للموظفين تسمح لهم بالعمل المزدوج، فهو إقرار واضح بأنه كان مسموحا بذلك، حيث نص قرار مجلس الوزراء رقم (45) لسنة 2005 الخاص باللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية (الشق الإداري)، وقد ورد ذلك في المادتين (84) و (85) البند رقم (6) ألا تزيد ساعات العمل خارج نطاق الوظيفة عن ثلاث ساعات في اليوم الواحد بحيث لا تتعدى تسع ساعات في الأسبوع، والآن جاء الوقت لوقفه، ولا ندري ما الذي تغير في حياة الموظفين ودخولهم، ما يطرح العديد من التساؤلات، فهل تأكدت الحكومة أن رواتب الموظفين تسد حاجاتهم العائلية، وهم قادرون على تغطية نفقاتهم الصحية والتعليمية والقروض التي تورطوا فيها لبناء المساكن والشقق المرهونة للبنوك؟ وهل أجرت الحكومة أبحاثا متخصصة حول الفقر وأحوال أصحاب الدخل المحدود؟ وهل استندت الحكومة إلى حقائق تستطيع من خلالها حل تحدي البطالة في فلسطين والذي تبلغ نسبتها 28%؟.
لقد اعتاد الموظفون في الوظيفة العمومية على نمط استهلاكي مرتبط بدخلهم الرئيسي الذي يعتمد على الراتب الشهري، وأكدت احصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن نسبة الفقر في فلسطين بلغت 26%، وذلك اعتمادا على أنماط الاستهلاك التي اعتادت عليها الأسرة الفلسطينية، وكذلك بلغت نسبة الفلسطينيين الذين يقل دخلهم الشهري عن خط الفقر الوطني حوالي 48%، حيث ان خط الفقر الوطني قدر بمبلغ دخل أسرة قيمته (2293 شيقلا)، بينما قدر خط الفقر المدقع بقيمة (1832 شيقلا)، وهذه التقديرات لأسرة مرجعية تتكون من خمسة أفراد (بالغين اثنين وثلاثة أطفال).
فهل أخذت الحكومة بعين الاعتبار الحد الأدنى للأجور البالغ (1450 شيقلا) ، إذا ما أخذنا بالحسبان أن نصف الشعب الفلسطيني يقل دخلهم عن خط الفقر الوطني؟
أعتقد جازما أن لا أحد يعترض على التوجه العام للتخفيف من مشكلة البطالة في محاولة لتكافؤ الفرص وعدالتها أمام الخريجين الجدد، في ظروف اقتصاد فلسطيني تابع لاقتصاد الاحتلال، وفي ظل اتفاقيات مجحفة كاتفاق باريس الاقتصادي، لشعب لا يزال يرزح تحت ظلم الاحتلال، وغير قادر على استثمار ثرواته الطبيعية كباقي شعوب المعمورة، ما يؤكد الحقيقة الدامغة بأن ظروف الوطن وفي غالبية أحوالها استثنائية وغير طبيعية.
إن من بديهيات صناعة القرار حتى يكون منطقيا وواقعيا وعادلا وقابلا للتنفيذ، أن يكون قانونيا ومستندا إلى المعلومات الأقرب إلى الدقة والموثوقية، ومستوفيا لشروط المكان والزمان والموضوع، وأن يكون له أثر واضح على الجمهور المستهدف، وايجابي لا سلبي من الناحية القانونية، وإن كان القرار أشار في ديباجته الأولى وفق التقليد المعهود إلى القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م، وإلى قانون الخدمة المدنية لسنة 1998 وتعديلاته، وإلى قانون ديوان الرقابة المالية والإدارية لسنة 2004م، وقانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005م وتعديلاته، فإنه وبعيدا عن الخوض فيها يتطلب مراجعة توفيقية فيما بين موادها لتحقق التكاملية والشمولية، إذ ليس معقولا التغاضي عن قانون الخدمة المدنية، والذي يصدر في ضوئه قرارات رسمية لحل بعض الغموض، أو تفسيرها كالقرار الصادر عن ديوان الموظفين العام، الذي يسمح للموظف العمل خارج الوظيفة بموافقة مسبقة من رئيس الدائرة الحكومية، وموافقة ديوان الموظفين العام، إذ أن العديدين من الموظفين كانوا يعملون وفق ذلك خلال الدوام الرسمي أحيانا وبحد معين من الساعات، ومثال ذلك التدريس في الجامعات الفلسطينية، ليصبح هذا الأمر ووفق العرف القانوني حقا مكتسبا للموظف.
كما أن هذه القوانين الرقابية أو تلك التي تتعلق بمكافحة الفساد لم تأخذ مجراها الكامل بعد، وهذا يعيد الذاكرة إلى ما طلبته هيئة مكافحة الفساد بتعبئة نماذج الذمة المالية للعاملين في الوظيفة العمومية، ولا أدري إذا ما يجري متابعتها أم لا، وكنت أتمنى أن يتم تطبيق مبدأ (من أين لك هذا؟)، فلعلنا نطبق الشفافية والمساءلة والحوكمة التي طالما تغنينا بها ونحفظ بذلك الحق العام.
لا يختلف اثنان على ضرورة إنجاز العدالة الاجتماعية، والتوجه الجدي لحل مشاكل الفقر والبطالة، وإفساح المجال أمام الجميع وخاصة الخريجين للدخول في المنافسات والمسابقات الشريفة، وتحت عنوان لكل مجتهد نصيب، ومن ثم إصدار القرارات التصويبية، وتحديث الأنظمة والقوانين حتى تكون مرجعنا للفصل وقول كلمة حق، لتظل سيادة القانون فوق كل السيادات، كما نعلن دائما في حواراتنا ومؤسساتنا ومؤتمراتنا، لكن ما يجري ومنها هذا القرار يخالف ما نتمنى، فالحقيقة أن الذي يمارس الإزدواج الوظيفي ليس الموظف المرهون بيته للبنوك ومؤسسات الإقراض، بل إنه البعض المتنفذ الذي يعمل في أكثر من مؤسسة، وأي إزدواج وظيفي هذا الذي يتناوله القرار، فهل هم من يحدده بعض القانونيين لمن يتقاضى راتبين من المؤسسة الرسمية، أو من يعمل في مؤسسة أخرى (غير حكومية) خلال دوامه الرسمي، وليس خلال عطلة أو إجازته، أم خلالهما، ويذهب بعض القانونيين إلى عدم إدراج الأعمال التي يقوم بها الموظفون بعد دوامهم تحت هذا العنوان (الإزدواج الوظيفي)، ومن الأمثلة على ذلك هؤلاء الأطباء الذين لهم عياداتهم الخاصة ويزاولونها بعد دوامهم في المستشفيات ودوائر الصحة، أو مؤسسات صحية خاصة، وكذلك عمل بعض الموظفين بعد انتهاء دوامهم سواء من الأجهزة الأمنية أو المدنية كسائقين أو باعة في محال تجارية أو موزعين ووكلاء لشركات ومؤسسات تجارية أو أصحاب لهذه الشركات.
جدل واسع لن ينته إلا بحسم قانوني واضح وقرار أكثر استئناسا بكافة المعلومات اللازمة لصياغته، فهل نستطيع منع مدرس تتكون عائلته من خمسة أبناء نصفهم في الجامعات، ومستأجر لشقة متواضعة، يتقاضى راتبا يكاد يصل إلى حد الفقر الوطني الذي أشرنا إليه من العمل كسائق أو (بائع بسطة) أو يبيع خدمة الدروس الخصوصية، في بيته أو مكتبه الخاص والتي هي خدمة لا تختلف عن بيع خدمات الطبيب أو المهندس أو موظف تكنولوجيا المعلومات أو الإداري، من الذين يعملون في الوظيفة العمومية، وفي غالبيتهم أرباب عائلات لن تستطيع العيش براتب واحد في ظل الحقيقة القائلة بأن 48% من الموظفين تقل رواتبهم عن حد الفقر الوطني.
إنها الحقيقة الدامغة التي يعرفها كل مسؤول في هذا الوطن، وفي حياة هذا الشعب الصابر الصامد القابض على الجمر، إنه نداء الخريجين وصرخات الأمهات والآباء ممن يحمل أبناؤهم مؤهلات جامعية يضطرون إلى شراء تصاريح العمل التي يصدرها الاحتلال، للدخول إلى فلسطين المحتلة عام 1948 بمبلغ (2500 شيقل) للشهر الواحد من السماسرة وتجار البشر، الذين يعملون في وضح النهار، إنها الحاجة الماسة لسياسات وإجراءات تطبق القوانين والأنظمة على الكبار قبل الصغار، وليس الكيل بمكيالين، وإلا ستبقى الواسطة، والمحسوبية، والاستقواء، والتغول، قيما يتغنى بها البعض، ذلك أن شعبنا بحاجة إلى قرارات نحو بصيص من الأمل والشعور بالأمان والعدل، تعزيزا لكل أشكال الانتماء.