تغريدة الصباح– حكايا المنسيين
حنان باكير
أبطال حكاياتك، حقيقيون أم..؟ سؤال يوجهه لي بعض الأصدقاء. أبطالي هم أبنائي وأحبائي، لا فرق بين من عرفتهم شخصيا أو من سمعت حكاياهم ورحلوا، قبل ولادتي. أنا لم أفعل شيئا، فقط أوتيت المقدرة على ترجمة عشقهم الى كلمات، ولم أكن مترجمة حيادية، لأن بي مثل ما بهم من عشق خرافي.
كتب لي شاعر الوجع الفلسطيني، محمد كتيلة، من منفاه الكندي، تعليقا على "حكايا عشق أسطوري". قال: "أحيانا كثيرة لا نستطيع أن نكمل قراءة ما هو فوق الاحتمال.. أحييك على تحملك وتمكنك من سرد وقائع بهذا العمق.. يا ترى ما الذي يحصل معك بعد الانفكاك من السرد..؟".
سؤال أوحى لي بكتابة تغريدة عن أبطالي وعلاقتي بهم.. متى وكيف ولماذا، كان ما كان بيننا من علاقة؟ هي ايضا خرافية. أبي لم يحك لي حكايا السندباد البحري ومصباح علاء الدين و...، لكنه روى لي حكايا البحر وعلاقته بعكا، وعن سور يعابث البحر أقدامه بنزق طفولي. وحكى عن تفاصيل حياة في وطن انسرب منه كما ينسرب الرمل من بين الاصابع. لازمت أبي في معظم أوقاته.. أندس في جلساته مع أصدقائه، أصغي.. أسأل.. أستفسر عما كان فوق طاقة فهمي واستيعابي.. ومع مرور السنوات، صارت مجالس أبي من كبار السن، هي مكاني المفضل، وصرت أكثر استمتاعا بالإصغاء وتدوين الملاحظات.
في الذكرى الخمسينية للنكبة، رحبت المجلة والصحف التي عملت بها بنشر حواراتي مع قيادات فلسطينية، عاصرت وشاركت في حرب الـ 48. تحدثوا عن تأليف اللجان القومية، ونظام الفزعات في الدفاع عن المدن والقرى الفلسطينية. وعندما تعلق الأمر بتدوين ذاكرة الناس البسطاء وحكاياهم، أبدى البعض تحفظا، ونشر آخرون بعضها. أسفت للأمر، وازددت حماسا لتدوين حكاياهم، قبل أن يرحلوا حاملين ذاكرتهم الى عالم النسيان. أدون على وريقات اصفرت مع الزمن، لكن الذاكرة المدونة عليها، تزداد توهجا في داخلي.
أعترف.. أن فترات يأس كانت تنتابني من حين لآخر: ما جدوى هذه الكتابة؟ عندما انتقلت للعيش في النرويج، كانت ذاكرتي قد فاضت حتى لتغرق بحرا. صرت أكتب تلك القصص باللغة النرويجية، للمشاركة في قراءات أدبية. وبلا ادعاء، تكوّم حولي العديد من كبار الكتاب النرويجيين، يسألونني عن تلك القصص وحول كتاباتي، وانهالت على رأسي عروض المشاركات الأدبية.
اتصلت بي صديقتي النصراوية سوسن قسيس، من الدنمارك. قالت ان صديقها المايسترو الدنماركي، قد قرأ احدى قصصي، فطلب المزيد منها وعرض فكرة أن يقوم بترجمتها الى اللغة الدنماركية.. أسعدني الأمر، ليس بسبب عقدة الترجمة، ولكن أن تصل حكايا الراحلين المنسيين، الى الغرب فيعجبون ويتأثرون بها، ويندهشون للموت المضاعف للإنسان الفلسطيني.. فهذه قمة سعادتي، وأكون قد بلغت رسالتي، وزادتني اصرارا على أهمية تدوين تفاصيل حكايا الناس، فهي التاريخ الحقيقي الذي لا يكتبه المنتصر بمزاجه!
أحيانا أنبش في ذاكرة الناس عن الحكايا، وأحيانا تأتيني صدفة. عرفت شخصيا معظم أبطالي، ولو بصورة مغبشة وغير واضحة تماما، وجلّهم من أصدقائي أبي يوم كنت طفلة. ومن لم أعرفه شخصيا، كنت أتردد الى الأماكن التي سكنوها، سواء من سكن منهم المناطق الراقية، كالروشة ورأس بيروت والحمرا، أو من سكنوا المخيمات على حد سواء! فكلهم يسكنون وجداني، وكل واحد منهم أبي، وكل امرأة هي أمي، فكيف أستطيع الإنفلات منهم بعد الانفكاك من سرد حكاياهم؟
قبل أيام زرت صديقتين لي في صيدا. حديقة البيت، زرعت بأشجار الفاكهة. قطفنا أنواع البرتقال والماندرين.. كان نهارا جميلا. بعد الظهر غادرت الى بيروت. في التكسي، لم أشأ أن يزعجني أحد، فأخذته، "سكارسا"، كما جاء في قاموس جدتي. استعرضت، بعض صور قطافنا للبرتقال. وخلسة تراءت لي الأيدي الشابة التي كانت تقطف برتقال يافا وعكا.. وتلتقط حبات زيتون الوطن، وكيف تحولت الى أيد متغضنة تمتد الى مكتب الاونروا من أجل مؤونة، بالكاد تسد رمقهم. فظللت سماء روحي، غيمة كآبة، ولا بد لها من الإمطار.. لملمت دمعات انفلتت رغما عني. نستطيع الانفكاك من السرد.. لكن أحزانه.. لا انفكاك منها أيها الشاعر!