عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 تشرين الثاني 2016

سلكت طريق الحرير

سعاد ناجي

ما إن وصلت إلى الصين حتى بدأت رحلتي مع الدهشة والمقارنة التي لم استطع تجاهلها.  رأيت في هذه التجربة المثيرة، الكثير مما استطاع قلمي ان يسجله، لما في هذه الرحلة من تفاصيل كثيرة سترسم كالوشم في الذاكرة.

بدأت منذ اللحظة الاولى التي وطأت فيها قدماي مطار العاصمة بكين (أو بيجين كما  تلفظ هناك). وكان في انتظاري شاب يحمل لافتة عليها اسمي وعلم فلسطين، توجهت اليه وعرفته بنفسي وبأنني الشخص الذي ينتظره. رحب بي، وقدم لي هدية خاصة جداً وهي عبارة عن رسومات صينية تقليدية باللونين الاحمر والذهبي على قطعة من الحرير الصيني.. المفاجأة كما أشار لي ان هذه الهدية يقدمها بمناسبة عيد ميلادي الذي صادف يوم وصولي. هذه اللفتة الإنسانية شكلت بالنسبة لي لحظة الاندهاش الاولى  من شعب عرف بالجدية والتفاني وحب العمل.

طوال رحلتي لمست حسياً هذا الالتزام والدقة في كل ما يقوم به الصينيون، هم شعب بمنتهى الانسانية يسعون ليل نهار من اجل رقي  بلدهم وتطورها عبر هذا التفاني والعمل بروح الفريق، فلا تنافس الا على العمل لساعات أطول ولا هم شخصي يطغى على الهدف العام.

يعمل الصينيون معظم ساعات اليوم دون كلل او ملل حتى إنهم لا يملكون الوقت للاستمتاع بحياتهم أو حتى تحضير الطعام في المنزل، فمعظم المنازل صغيرة وضيقة ولا يوجد بها مطابخ لتوفير المساحات. وبالتالي تناول الطعام خارج البيت جزء من الروتين اليومي وما يفسر كثرة عدد المطاعم (والتي تقدم اصنافاً صينية فقط).

اللافت بالنسبة لي هذه البساطة وهذا التواضع الذي يظهر بوضوح على الملابس البسيطة التي يرتديها بنات وشباب الصين، بالرغم من ان بلادهم ثاني اكبر اقتصاد عالمي، و من اكبر الدول المصدرة للملابس والمصنوعات الحريرية المتميزة الى كل دول العالم.

وبما يتعلق بهدف زيارتي فقد قمنا بجولة على عدد من وكالات الأنباء التي تصدر يومياً نشرات الاخبار بلغات عدة قد تصل الى أربعين لغة، وزرنا العديد من محطات التلفزة والفضائيات المتخصصة. وهنا تصاب  بصدمة هذه الفجوة الحضارية التي صنعتها الصين عبر استخدامها التكنولوجيا في كل زاوية وفي كل تفصيل، وهي ذاتها التكنولوجيا المتطورة التي تراها في أساليب العرض في المتاحف ومعارض التراث القديم والمواقع السياحية الحديثة للصين، الأمر الذي يشعرك كما لو انك غادرت كوكب الأرض على متن سفينة فضاء صينية، وكل ما تشاهده يبدو وكأنه ابداع وتطور من صنع فضائيين وليسوا بشرا مثلنا.

في الصين، حيثما تذهب تتلقى درساً بل دروساً في قوة الارادة وحب الوطن والرغبة الشديدة في نهضته فهو هاجس وهم شخصي لكل فرد في هذا الشعب العملاق بحجمه وعمله وتأثيره.

ويفضل الصينيون استخدام الدراجات التي تعمل بالبطاريات او تلك الهوائية كوسيلة نقل خاصة، توفر الطاقة ولا تشغل حيزاً على الطرقات.

هناك نظام مروري صارم لسير المركبات في شوارع المدن، فيحدد لها أياماً وأوقاتاً حسب تسلسل ارقام هذه السيارات. وما أدهشني أيضاّ هو صعوبة حصول الفرد على رخصة القيادة لشراء سيارة، فهو بحاجة  لينتظر سنوات ليحصل عليها، وذلك لتجنب الازدحامات المرورية والتي لم اعان منها ابداً خلال زيارتي لاكثر مدن العالم اكتظاظاً بالسكان، مقارنةً بساعات طويلة اضعتها في اختناقات وفوضى مرورية بعواصم عربية.

بخصوص احترام الصينيين للوقت، فهو الدرس الأول الذي أعتقد انه يجب ان يقرر في مناهج الدراسة عندنا، فالوقت أثمن ما يملكه المواطن الصيني.

ومنذ اليوم التالي لوصولي بدأت مراسم الاستقبال والتعارف بين المشاركين وبرنامج المحاضرات المعد بدقة شديدة. الشاي الصيني المر، وهو الضيافة التقليدية كان رفيقنا هناك. وعلمت ان سبب تقديمه مراً  دون سكر، يعود الى ان الصين كانت تستورد كميات كبيرة منه تكلف الدولة مبالغ طائلة لتغطية حاجة السوق المحلية، لذلك قرر الصينيون الامتناع عن استخدام السكر ما أمن  للدولة مصدراً بمليارات الدولارات.

معلومة السكر هذه ادخلتني في دوامة المقارنة طوال رحلتي، خصوصاً عندما علمت أن 80% من البضائع الاسرائيلية لها بديل فلسطيني ذو جودة عالية، وأن مقاطعتها ستوفر لنا أكثر من نحو 30.000 فرصة عمل منها ستة آلاف في التصنيع الغذائي.

أي .. بلغة الأرقام في حال امتناع كل مواطن فلسطيني عن شراء المنتجات الاسرائيلية بقيمة "شيقل" واحد يومياً، يعني قطع ما مقداره أكثر من مليار "شيقل" سنوياً عن خزينة الاحتلال. ومثال: يبلغ ثمن 1 كغم من التمر الإسرائيلي حوالي 35 "شيقلاً" ما يعادل (9 دولارات)، وتبلغ تكلفة صناعة رصاصة بندقية 8 "أغورات"، بمعنى أننا نساهم بصناعة حوالي 44 رصاصة، كافية لقتل 44 فلسطينيا.

أشير هنا الى أن سبب زيارتي للصين هو المشاركة في دورة اعلامية أطلق عليها الصينيون، (اعلاميون من بلاد على طريق الحرير- الحزام الاقتصادي) تحت رعاية وزارة التجارة الصينية، صناعة الحرير اكتشفها الصينيون منذ سنة 3000 ق.م. وأبهروا العالم في اتقان صنعه وتطريزه بألوان واشكال مبهجة.

واخذت تجارة الحرير طريقها من الصين الى ارجاء العالم وتطورت بشكل سريع حتى شملت بضائع اخرى، كانت تنتقل من الصين الى اقاصي آسيا واواسط وشمال افريقيا ووسط اوروبا، واتخذت هذه التجارة مسارات محددة عرفت منذ الزمن القديم باسم (طريق الحرير) ومع مرور الزمن اصبحت هناك طرق فرعية للطريق الرئيسية نفسها، وما يمر به هذا الطريق فهي بلاد طريق الحرير.

واليوم الصين هذا العملاق الحضاري والاقتصادي، يتحرك بهدوء وصبر وبحكمته المعهودة، ليؤكد مكانته على الساحة الدولية ليصبح تدريجياً على قمة الهرم العالمي.