تغريدة الصباح- يا زمان الطائفية
حنان باكير
الهروب من المشكلة لا يعني انتفاء وجودها. أو نكون كمن يختبئ خلف إصبعه. الخلافات الدموية الداخلية، تصبح اختلاف وجهات نظر. الطائفية المعششة في الأدمغة والنفوس، تُخفى بادعاءات سطحية هشة، بأننا أمة لا تفرق بين أبنائها.. حوار الديانات، لم ينتج ثقافة احترام عقائد الآخر المختلفة! وكل ما ينتجه هو تلك الصور التي صارت تثير فينا مشاعر مبهمة.. صور رجال ديانات مختلفة، يقفون صفا واحدا، وقلوبهم ونفوسهم تباعدها سنوات ضوئية، هي المسافة بين الفردوس والجحيم! هكذا نحن في مجتمعاتنا.
أكره المكرور من الكلام، لكني في موضوع الطائفية، لن أتوقف عن التكرار والإعادة والنق والزّن والعنّ، حتى أؤدي رسالتي، أو أقضي دونها. تطالعنا وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، التي تعكس نبض الناس، بحوادث تدلل على تفشي الفكر الداعشي، بين غالبية طبقات المجتمع. الهجوم على قبر لإزالة الورود عنه لأنه بدعة، ولم تكن في زمن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. اختار هؤلاء ظاهرة الورود فقط.. وليس استعمال التكنولوجيا والطائرات والسيارات واسلوب الحياة وحتى المأكل والمشرب. فالاختيارات انتقائية ومزاجية وتخضع لأجندة أمراء الفكر الداعشي.
وحين تفرض الكوتا وجود نساء، في الانتخابات، فإن النقاب يُفرض على أسمائهن ويُعرّفن بزوجة فلان أو علان، دون أن ندري كيف ستظهر هؤلاء النسوة، لاحقا للتعاطي مع أمور الناس، والتناقش معهم، اذا كان مجرد اعلان الاسم عورة! فربما الزوج فلان، سوف يمارس المهمات نيابة عنها! متناسين اعتقادهم بأن الله في يوم الحساب، سوف ينادي المرء باسم أمه!
نأخذ الأمر، ومعها تلك الفتاوى الغريبة، بشيء من السخرية والضحك، كمن يستمع الى نكتة او طرفة، حتى استفحل الأمر وكبر ليصل الى مستويات رسمية أو شبه رسمية، ولم يعد يقتصر على بعض البسطاء، الذين تم غسل أدمغتهم، أو شراء ذممهم بمال أو صك غفران يدخلهم ملكوت السماء. مطرانان أوروبيان، أحدهما بروتستانتي وآخر كاثوليكي، يزوران القدس تضامنا معنا ومع حقنا في المكان.. يُطلب اليهما نزع صلبانهما، او في مكان ما في القدس!! ونتساءل إن كان طلب لأي رجل دين يزور الغرب أو يلتقي مرجعيات دينية مسيحية، خلع العمامة وحلق اللحية وعدم اصطحاب مصحف؟! ليت هؤلاء يعلمون أن عدد المساجد في اوروبا تفوق أعداد الكنائس، وهي تتكاثر بسرعة مثيرة للدهشة.. وأن الكنائس بالاضافة الى البلديات، هي من يدعم المشاريع الاجتماعية وبضمنها بناء المساجد، وأن الروابط الاسلامية تتلقى الدعم المادي من بلاد الكفر، لتستغله في بناء ونشر الفكر التكفيري!
ويبلغ الغباء الفكري بنا الى الحد الذي يدفعنا الى نقل قضايانا السياسية الى قضايا دينية، نكون فيها من الخاسرين. ينسى بعض شعبنا في الداخل، أنه محتل.. ويتحول صراعه الى دينيّ مع أبناء جلدته! متغاضين عن كون يسوع المسيح هو ابن تلك الارض الطيبة، فيها ولد وترعرع ورفع الى السماء صلبا أو تشبها! وأن ارضنا هي مهد المسيحية التي انطلقت برسالة المحبة والتسامح الى العالم.
في مقابلة معه، أخبرني واصف كمال، الذي كان عضوا في الوفد الفلسطيني الى الأمم المتحدة عام 1947، للتصويت على رفض قرار تقسيم فلسطين. قال ان خلال عملية التصويت، كان كسب الموقف المحايد لروسيا والكتلة الشرقية، الى جانبنا، هو المرجح للموقف العربي، المناهض للتقسيم. تشاورت الوفود العربية وارتأت الاتصال مع الكتلة الشرقية، للتصويت ضد قرار التقسيم. رفض الملك فيصل الأمر وقال: لن نصبح شيوعيين من أجل فلسطين! فشل الوفد العربي، بإقناعه أن الدول تتعاطى بمبدأ المصالح المتبادلة، ونحن نتعهد بدعم قضاياهم في الأمم المتحدة، ولا شأن للدين في الموضوع.. وهكذا خسرنا المعركة الدبلومسية في محفل دولي، بسبب الدين! للتذكير فقط... أن معركتنا على الارض وليس على السماء!