تغريدة الصباح - من تجارب المنفى
حنان باكير
مواطنة صالحة، ورسولة أمينة لقضيتي، هكذا أردت نفسي أن أكون. هالني حجم وأساليب النصب والاحتيال وانتهاك القوانين النرويجية، من أجل حفنة من الكرونات. والمبررات جاهزة.
ولأني أكره العيش في الهامش، فقد عملت ودفعت الضرائب، واندمجت في المجتمع، دون التخلي عن رسالتي الوطنية. ففلسطين دوما حاضرة. وبما أني حديثة العهد، وغير معروفة هنا، حتى ذاك الزمن، كان صديق يقدم لي الفرص للحديث عن قضيتي، أو فرص القراءات الأدبية. وغالبا ما كنت أجد نفسي في ورطات تؤرقني وأندم عليها.. ثم أسعد بها وتصبح مفخرة تحكى!
تعلمت اللغة، ونشرت العديد من المقالات. وصلتني دعوة لمحاضرة تثقيفية في مطار اوسلو، تحت عنوان "الفوارق الثقافية". وافقت على الفور. هي محاضرة واحدة، وتقدم مرة كل اسبوع، لثلاث اسابيع متوالية. بدأت استعداداتي لها. إضافة الى ترتيب أفكاري، عليّ ترتيب مظهري أيضا، ماذا سأرتدي.. أي الألوان هي الأنسب. الناس هنا عمالقة، ولا أدري من أين يجيئون بطول قاماتهم، هم حقا أحفاد الفايكنغ. فالأهم إذن اختيار حذاء بكعب عال، لأخفف فارق الطول.
اليوم الأول.. شعور رائع وأنت تسير في المطار الهوينا اعتزازا بنفسك، وأيضا بسبب الكعب العالي. ذهبت الى المكتب المفترض. استقبلت بلطف وتهذيب نرويجيين. سرت مع شرطي الى ممر طويل عبر باب ثقيل فتح ببطاقة خاصة. الممر الطويل يفضي الى ممر أطول... ممرات عدة وأبواب عدة لا تفتح الا ببطاقات أو أرقام، حتى لو صحت افتح يا سمسم الف مرة. بدأت الرهبة تتسلل الى جسدي وروحي. انتهيت الى غرفة واسعة، ليس صعبا عليك اكتشاف أنها غرفة الاستراحة وشرب القهوة. سكانها من العسكر برتب مختلفة. وجوه بيضاء يكاد ينفر الدم منها. عيون زرقاء لامعة، نجوم وإشارات على بذاتهم. استقبالهم اللطيف، ضيافتهم لي، القهوة مع كوب الماء وبعض البسكويت، هدأت من روعي في هذا المكان المهيب، وإن بقي شيء في داخلي يرتجف. وتمنيت لو أرى تلك الأبواب مفتوحة، فأطلق ساقي للريح عبر الدهاليز. لكن أنىّ لي ذلك!
أسمع أصواتهم، ولا أفهم شيئا.. كيف ضاعت اللغة من رأسي، وكيف لي استردادها.. قبل قليل كنت أتكلمها.. تبخرت اللغة، حتى خلت أنهم فقط، يصدرون أصواتا ليس الا ! حدثني أحدهم، فاستعدتها. دقائق وخلت الغرفة منهم جميعا.. عسكريّ مهيب، بدوت أمامه مثل نملة صغيرة. لم يترك لي مجالا لألتقط أنفاسي وحيدة.. وبتهذيب دعاني الى قاعة المحاضرة. كان الجميع هناك جلوسا.. فبدوا بطولي وانا واقفة بكعبي العالي.
غادرتني بلادة غالبا ما تداهمني. عليّ أن أخترع مقدمة مضحكة، تكون بداية تعارف لطيف. عرّفت بنفسي، وأضفت اعتذارا، لأي خطأ لغوي، أو لكنة غير موفقة. فأنا أتيت هنا في سن النضج! وهناك مثل انجليزي يقول: صعب أن تعلم كلبا كبيرا" هرما"، حيلا جديدة! ضحك الجميع وازدادت حمرة وجوههم، ومع اشارات التشجيع من ايديهم.. وتعليقاتهم بأني أتكلم لغة صحيحة.. عادت لي ذاكرتي اللغوية. وسارت المحاضرة، بأفضل مما توقعت. ودفعت المسؤول ليحجزني في محاضرة جديدة للسنة المقبلة.
بعد أسبوع عدت الى الدايلما ذاتها، ووجدت نفسي أقف أمام عمالقة جدد.. موظفو المطار يتوزعون الى مجموعات وعلى مدار ثلاثة اسابيع.. وفي كل مرة اكثر من اربعين شخصية.. لكن المقدمة الهزلية تكون مدخلا يذيب جليد القلق لديّ! رويت لهم، خوفي السابق، ورغبتي في الهرب، فالحروب التي خبرناها، علمتنا الخوف من البذلة العسكرية، بينما هي هنا تزرع الأمان في النفوس.. ضحكوا وصفقوا.
الأسبوع الثالث، كان أمر ابتداع مقدمة فكاهية أمرا سهلا. فقد كانت ابنتي من ضمنهم. بدأت: هذه المرة أشعر بارتباك وقلق كبيرين، بسبب وجود ابنتي بينكم. وستنتظر عودتنا الى البيت، لتصحح ما ارتكبت من أخطاء، وتعيد على مسامعي لازمتها، أنت تفكرين بالعربي وتكتبين بالنرويجي.. ضحكوا، والتفتوا اليها متوعدين، وقال أحدهم، وربما كان مديرها: سنوقف ترقيتك لو فعلت ذلك!