عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 24 أيار 2016

في غزة.. "لقطاء" يصبرون على البلاء

استراحة الحياة- جهاد عويص- كانت في الرابعة عشرة من عمرها، حين علمت أمل (اسم مستعار) عن حقيقة كونها فتاة "لقيطة"، وقتها أصرت أن تكون أكثر قوة في محاربة واقع مر لفظ روحها قسرا من رحم الخطيئة. 

أمل بلغت العشرين من عمرها، وتدرس في الجامعة الإسلامية بغزة، غير مكترثة بحقيقتها الصادمة للبعض، كفلتها احدى العائلات في غزة، منذ نعومة أظفارها، عبر مبرة الرحمة المتخصصة في رعاية الأطفال مجهولي النسب الواقعة غرب غزة. 

"أنا لم أخطئ لذلك لا أخاف من المجتمع، ومؤمنة بأن الله إذا أحب عبدا ابتلاه" هو شعار أمل للدفاع عن نفسها بوجه بعض المتسلطين كما سمتهم، كونها ضحية احدى العلاقات العابرة في المجتمع. 

وعن علاقتها داخل عائلتها الكفيلة، تقول أمل "أعتبرهم أهلي الحقيقيين، وهم من أرضعوني، وراقبوا طفولتي تكبر بأحضانهم، وبفضلهم لدي عائلة متكاملة من الأهل والأقارب"، كاشفة عن اسمها الذي يتبعه لفظ "مولى" قبل أن يتممه اسم أبيها الكفيل، تيمنا بوصايا الشرع في حفظ الأنساب.

"جمعية مبرة الرحمة" هي المكان الذي يرعى اللقطاء في غزة، عبر متخصصات في التربية والتنشئة الأسرية، يقطنها 16 شخصا يتنوعون ما بين أطفال وجامعيين وموظفين، حالت ظروفهم الصحية عن كفالتهم من قبل عائلات غزية راغبة في الاحتضان. 

المهندس حازم النعيزي أحد المشرفين على عمل "المبرة" قال: انها أنشئت لرعاية اللقطاء، عبر تمويل ذاتي وخارجي، محاولين توفير حياة كريمة وجو أسري بين الأطفال القاطنين داخلها، ورعاية تعليمية لهم حتى الدرجة الجامعية.

وغالبا ما يتم العثور على اللقطاء، على الطرقات أو بالقرب من المستشفيات، أو على باب المبرة نفسها، وأشار النعيزي إلى أن المبرة لم تستقبل أي حالة خلال العامين الماضيين، في ظل عدم وجود معدل ثابت لميلاد هكذا أطفال.

يجدر الإشارة إلى أنه تم العثور على رضيعة جديدة ملقاة في أرض زراعية، غرب مخيم النصيرات، في المنطقة الوسطى لمدينة غزة، مؤخرا، وتم تحويلها للجهات الخاصة. 

وأكد النعيزي لـ "استراحة الحياة" أن 160 طفلا تم تبنيهم من قبل عائلات كفيلة على مدار الأعوام السابقة، كانت تقدمت بطلبات احتضان، قبل أن يخضعوا لمعايير الكفالة التي وضعتها جهات مختصة أبرزها المجلس التشريعي ووزارة الداخلية.

أما عن تسمية الأطفال الباقين بالمبرة، أوضح بأنه يتم استخراج شهادات ميلاد لهم، تحتوي على أسماء رباعية وهمية من قبل وزارة الداخلية، بحيث لا تتشابه مع أسماء عائلات فعلية في القطاع.

وكشف عن وجود لقطاء أنهوا تعليمهم الجامعي وآخرين اندمجوا في سوق العمل، مفصحا عن وجود 5 حالات تزوجوا، من غيرهم من الأشخاص معلومي النسب في المدينة، كعامل أساسي لتكوين أنساب حقيقية لهم.      

المواطن محمد سالم "28 عاما" تعاطف مع مجهولي النسب، كونهم يدفعون ثمنا ليس لهم أدنى ذنب فيه، غير ممانع بالزواج من احداهن شرط مناسبتها من حيث التنشئة الأخلاقية.

وشجع صلاح محمد "35 عاما" عمل بعض العائلات الكفيلة للقطاء، على اعتبار أنهم لا يضيرون عائلة محرومة من الانجاب. 

وعلى الرغم من تشريع الزواج، إلا أنه قد نجد بعض التجاوزات المحرمة في هتك العرض والنسل، رئيس لجنة الإفتاء بالجامعة الإسلامية الدكتور ماهر الحولي، أكد بذلك على ضرورة حفظ الحقوق الآدمية لمجهولي النسب وتكريمهم، وتبرئتهم من ذنب أهلهم.

ونوه الحولي لضرورة التفريق بين لفظ التبني والكفالة, مدللا على أن الأول ينسب المجهول إلى غير أبيه، ما رفضه الشرع، موضحا أن لفظ "مولى" هو المخرج الشرعي لنسب الطفل لغير أبيه الحقيقي، مثنيا على الكافلين ممن يوفرون الرعاية الكاملة للقطاء. 

وعن ضوابط الرضاعة أثناء الكفالة، أوجب للحاضنة أن ترضع الطفل 5 رضعات مشبعات، مشترطا سنه الجائز للرضاعة حسب الشرع، بحيث تصبح أمه بالرضاعة لإحلال أجنبيته عنها بعد البلوغ.

واتفق مدير مركز عوض الله الطبي الدكتور يوسف عوض الله، مع الحولي، في حتمية التنشئة الكريمة للقطاء، بعيدا عن الظروف السلبية المحاطة بهم، مستدلا بقوله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، معتقدا بأن عقدة الذنب ستطاردهم في الكبر في حال لم تتم تبرئتهم من مرتكبي الذنب.

ويعتقد عوض الله ان حملهم للهوية "الوهمية" يعطي لدى بعضهم نوعا من التأثيرات السلبية على السلوك، ويضيف "الأشخاص مجهولو النسب تزيد بينهم الاضطرابات الانفعالية والسلوكية، ما يعزز السلوك العدواني وصعوبات التعلم لديهم". 

وأثنى على دور بعض العائلات في احتضان هؤلاء الأطفال، ما يعزز من اندماجهم بصورة طبيعية في المجتمع، عبر تربيتهم في بيئة أسرية متكاملة، مبينا أن العائلات الكفيلة ما زالت عصية على البوح بذلك أمام غيرهم، خوفا من نظرة البعض السلبية لهم.

وأوضح عوض الله ان نسبة مجهولي النسب في المدينة المحاصرة أفضل بكثير مقارنة بغيرها من البلدان، مطالبا بتكثيف الجهود وتعاون الجميع من أجل تفادي حدوث فجوات بين فئات المجتمع.