الحاجة مريم.. في جعبتها عن البلاد حكاية

القدس المحتلة- الحياة الجديدة- معتصم محسن- بثوبها الذي حمل في ثناياه ذكرى ارض ووطن ودعواتها وامنياتها التي لم تغادر شفتيها طوال مكوثنا معها داعية الله العودة الى بلدتها "صرعة " قضاء مدينة القدس والتي هجرت منها عام 48، ولهجتها التي لم تتخلى عنها ولم تصطنع غيرها، سردت لنا الحاجة مريم عبد الله احمد شحادة 85 عاما اللاجئة منذ ان كان عمرها 20 عاما والمقيمة الان في مخيم قلنديا، ما كان وما زال ولم يتغير بعد.
عادات وتقاليد ونهج حياة تحولت وتغيرت، وبالكاد بقي القلة القليلة ممن يمارسونها فقد اصبح التغني بها هو ما تملكه اجيال ما بعد النكبة، تغير اللباس وتغيرت العلاقات بين الناس حتى العادات اصبحت تاخذ منحا مختلفاً عما كانت عليه.
ابتداء باللباس الفلسطيني المعهود الذي كان سائدا في ذلك الحين والذي اخذ بالتلاشي واقتصر لبسه على الكبار، تحدثنا الحاجة مريم، فتقول "كان اللباس الخاص بالنساء هو الثوب الفلسطيني فقد كن يلبسن الثوب كبارا وصغارا وعلى رأسهن يضعن (الخرقة) أو (المنديل) والنساء الكبيرات بالعمر كن يضعن "الملاية". وكان لباس المرأة او الفتاة ساترا لجميع جسدها".
أما الرجال، فتصف الحاجة مريم ما كانوا عليه "كان لباسهم الشروال أوالقنباز، و الحطة والعقال على الرأس، واليوم ترى الرجال يلبسون البدلات والسراويل، هناك بعض الرجال ما يزالون متمسكين بلبس الحطة والعقال دون الشروال او القمباز".
"المنسف" بقي وحيدا و"الجريشة" الطبق المنسي
تحدثنا الحاجة المقدسية المنشأ والهوى عن مأكول الناس في ذلك الوقت ونمط حياتهم في إعداد الطعام "كنا نقتات ونأكل مما نحصد من ارضنا وما نربي من حيوانات وطيور، فكان جميع اهالي القرية يقتاتون مما يزرعون ويربون، فاللحوم والحليب ومنتجاته، والخضار والفواكه وغيرها كل ذلك كان متوفرا في مزارع واراضي المواطنين، وكانت النساء تقوم بالطهي وصناعة الخبز على الحطب، تقوم إحداهن بجمع الحطب لاستخدامه في الطهي، اذكر ان بعض العائلات ربما اثنتان او ثلاث اقتنوا " البوابير الصغيرة " التي تعمل بالكاز واستخدموها في الطهي بدلا عن الحطب. وكنا نحتفظ بالفائض من طعام اليوم لناكله في اليوم اللاحق، حيث نحفظه في سلة معلقة، نضع وعاء الاكل عليها ونغطيه لنأكله في اليوم التالي. واحيانا كنا نحفظ بعض الوجبات في " فخارة " لتناولها خلال الايام المقبلة.
الطبق المشهور في ذلك الوقت وكنا نعده في المناسبات الخاصة أو للضيوف هو "المناسف" و "الجريشة" ، المناسف لازالت الاجيال تقوم باعدادها حتى اليوم، أما الجريشة فقلة من النساء او الرجال يعرفون اعدادها وقد اخذت بالتلاشي ليبقى المنسف وحيدا في المناسبات.
اغاني الافراح تلاشت ونسيت
تستعيد الحاجة مريم ذكريات الأفراح، والأغنيات التي ورثتها عن أسلافها "أفراحنا والاغاني الخاصة بالافراح ايضا بدأت بالتلاشي، فقد كان هناك اغاني تراثية خاصة في الافراح، كانت النساء تزف العروس وهن يغنين ويرددن بصوت واحد اغاني جميلة مخصصة للعروس واهلها وللعريس واهله، ومن تلك الاغاني كنا نردد
" اطلعي اطلعي مش همك ..... احنا حطينا حقوق ابوكي وعمك "
" اطلعي اطلعي لحالك ..... احنا حطينا حقوق ابوكي وخالك "
" احنا مشينا من بلد لبلد .. ت .. وصلنا بنت قاضي البلد "
أما الرجال، حسبما تقول الحاجة مريم، "فكانوا ينظمون حلقات خاصة تسمى " السامر " حيث يردون على بعض بلحن خاص ويسردون خلاله قصة او مجموعة قصص، أو شعر بالاضافة الى التغني بالوطن، وكذلك كلمات خاصة للعريس والعروس واهاليهم، ومن تلك الكلمات
لاتحسوبنا مشينا الحرب ذلينا ... واحنا من الحرب عنقرنا طواقينا
لاتحسبوا كثرتكم تغلب شجاعتنا ... بالسيف الاحدب لنقلط جماعتنا
لاتحسبوا الغي في اطراف المناديلي ... الغي جر المناسف للرجاجيل"
جيل اليوم لا يعرف هذه الاغاني فقد استبدلت بالموسيقى والاغاني المزعجة، كما تقول الحاجة مريم، فأصبح المسجل هو من يغني ومن حوله يقومون بالرقص فقط.
البساطة في التعامل والعلاقات
كانت العلاقات قديما اكثر بساطة وسلاسة بحسب تعبير الحاجة المقدسية "كان اهالي البلد الواحدة كعائلة يشاركون البعض في الافراح والاتراح دون اية دعوة مسبقة بعيدا عن "الرسميات" فترى الاهالي يقفون مع عائلة اهالي الترح او الفرح يساعدونهم ويعاونوههم، صحيح ان النخوة لا تزال في ابناء واهالي البلد ولكن ما تغير هو وجود العلاقات الرسمية، اذ اصبحت الزيارات بحاجة لمواعيد والمشاركة في الافراح بحاجة الى دعوات".
تقول الحاجة مريم "قليلون هم من يهتمون بتعلم تلك العادات والاهتمام بها وممارستها، سواء من الشباب أو الفتيات، فغالبيتهم يفضلون اللجوء الى الطرق والوسائل المريحة في التعامل سواء في اعداد الوجبات أو اللباس او غيرها، فلم يتبق ممن يتمسكون بهذه الامور الى القلة القليلة وغالبيتهم من الكبار. أتمنى أن يعيدوا اجيال اليوم النظر في تلك العادات وان لا يجعلوها تندثر ويهجروها كما هجّرنا من اراضينا، يجب أن يقوموا باحيائها بالتزامهم بها والمداومة على فعلها وممارستها".
مواضيع ذات صلة
دوما.. حياة على حافة الخطر
الأغوار تودع حارسها...
الأمين العام المساعد، رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، السفير مصطفى لـ"الحياة الجديدة": القضية الفلسطينية لم تعد ملفًا مؤجّلًا، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي
يوم الصناديق في جنين
تحت قيود الاحتلال.. 70 ألف مصلٍ يحيون جمعة الأقصى
حين يقتحم إرهاب المستوطنين البيوت... صورة ليلة لا تنسى في بيت إمرين