عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 أيار 2016

"قيمة كل امرئ ما يحسنه"

منير فاشه

ربما لاحظ من يتابع هذه الزاوية أن أحد الخيوط التي تجدل نسيجا بين مختلف المقالات هو العودة إلى الجذور. العودة هي الحلم الأكبر لنا كفلسطينيين لكن علينا أن نشمل في مفهومنا (إلى جانب العودة للأرض) العودة إلى الجذور الفكرية-الإدراكية التي تغذينا. حكيت في الحلقة السابقة كيف مثّل وعيي لرياضيات والدتي الأمية (عام 1976) الزلزال الفكري الإدراكي الأول في حياتي. في هذه الحلقة سأحكي قصتي مع الزلزال الثاني المتمثّل بعبارة الإمام عليّ: "قيمة كل امرئ ما يحسنه" والتي قرأتها (عام 1997) في كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، وهي عبارة مفعمة بالحكمة والعافية والكرامة والتنوع: قيم الحياة الجوهرية.

في العام 1971 بدأت أفكر في كيف يمكننا التخلص من فيروس التقييم الذي يضع الناس على خط عمودي مدعيا أن موقعهم يحدد قيمتهم، بناء على مقاييس ضحلة في أفضل الأحوال. آلمني وعذبني ذلك التقييم الذي يمنح ما يقارب 40% من الطلبة في سن 18 سنة شهادة رسمية من وزارات التربية حول العالم بأنهم فاشلون! من الصعب تخيل شيء أكثر احتقارا للبشر. بحثت عبر أكثر من عقدين عن معيارٍ لقيمة المرء أكثر احتراما للإنسان ويتوافق مع كرامته ومع التنوع في الحياة. وجدته في عبارة الإمام علي حيث شعرت أنها الجواب لما كنت أبحث عنه. لا أذكر عبارة قرأتها في التربية ألهمتني قدر هذه العبارة. شكلت لي دواء شفاني من أمراض وأوهام وخرافات اكتسبتها في المؤسسة التعليمية/ الأكاديمية. عرّت لي حقيقة ما أحضره الانكليز وغيرهم من "جراثيم" فكرية إدراكية تظهر تقدمية على السطح. لكلمة "يحسن" بالعربية عدة معانٍ: الإتقان والجمال والعطاء والنفع والاحترام. ما أجملها كمصدر وأساس ومعيار لقيمة الإنسان، فوِفْقها لا يتم تقييم الفرد عبر لجان ومقاييس تدعي العالمية والموضوعية بل بموجب المعاني المتنوعة لكلمة "يحسن". تتوافق العبارة مع أمور هامة في التعلم لكن مغيّبة كالتواضع والتفكير ضمن سياق وحيث توجد قيمة لكل شخص وقيمته تكمن في علاقته مع نفسه ومع من وما حوله. وفْقُها، كل شخص له قيمة لا يمكن مقارنتها بقيمة شخص آخر. ما تحسنه أمّي على سبيل المثال واضح تماما في صنعها ملابس للنساء: كان عملها متقنا وجميلا ومفيدا ويعكس احتراما وعطاء. في المقابل، ما حصلت عليه من علامات كان افتراء يقيس في أفضل الأحوال إتقانا تقنيا أو آليا له قيمة تبادلية في سوق السيطرة والاستهلاك. ربما كان في أسلوب تدريسي متعة لي وللطلبة لكن معظم معاني 'يحسن’ لا تنطبق على ما كنت أفعله. اتبعتُ التقييم الذي 'ورثته’ عن الانكليز والذي في جوهره أداة سيطرة محكومة من مؤسسات ومهنيين مرخصين، ويرتبط بتكرار أجوبة جاهزة ومعدة سلفا. في المقابل، 'ما يحسنه المرء’ له مضمونٌ مرتبط بسياق وأفعال وعلاقات، وبحيث يجمع معاني 'يحسن’ المتعددة مما يشفينا من كلمات تسمم العقل والإدراك والعلاقات مثل فشل وتخلف؛ مضمونٌ فيه انسجام وتناغم بدلا من تنافسٍ وتركيزٍ على مهارات تقنية ومعلومات. ننطلق في العبارة مما يعمله الشخص بشغف، ودورنا هو أن نغذّيه. مقاومة فكرة "إنسان فاشل" أصبحت ضرورة لعافية البشر.

باختصار، تعكس العبارة منطقا تعدّديا لا ثنائيا إذ تنظر إلى كل شخص على أنه كامل بشكل فريد. تشفينا من أسوأ مرض اخترعته القبيلة الأوروبية (مرض نفسي اجتماعي إدراكي ممزق للإنسان والمجتمع) حيث يشعر كل شخص بدونية أو فوقية، مما يسهّل السيطرة على الناس. تنطلق القبيلة الأوروبية من مصطلحات وتصنيفات لا من الحياة.

جدير بالذكر أني تكلمت عن عبارة الإمام علي في 29 دولة زرتها أثناء العشر سنوات التي عملت فيها مدير "الملتقى التربوي العربي". لا أذكر أحدا لم تُلْهِمْهُ العبارة والمبدأ المتمثل فيها والذي يحترم التنوع والتعددية في المعنى والإدراك. "كل معرفة لا تتنوع لا يُعَوَّل عليها" يقول شيخنا الكبير ابن عربي.

أنا لا أدعو أحد للتوقف عن استكمال تحصيله المعرفي وحيازة شهادات أكاديمية، إذ هذا يشكل بابًا لأغلبية الطلبة في الوقت الحاضر في مسيرتهم الحياتية. ما أركز عليه هو تذكير الناس بأن هناك مسارات أخرى للتعلم ومصدر قيمة المرء لكنها مغيبة لأنها تنبع من الحياة لا من سلطات، لعل أهمها هو ممارسة الشخص يوميا لما هو شغوف به ويغذّي حياته ويريد أن يحسنه. لم يعد من الحكمة أن نستمر في طريق ممزّق للإنسان والمجتمع ومليء بأوهام. أرى الحياة "خلطة" متداخلة متكاملة متناغمة، لا تخصصات مشرذمة. أومن بأن الناس متساوون في الذكاء و ب'يحسن’ كمعيار لقيمة الإنسان. قيمة المرء هي "خلطة" وليست رقما أحاديا يمسخ الإنسان والحياة. تحررنا كلمة 'يحسن’ من كلمات سائدة هدفها زرع تراتبية ونخبوية مثل تميّز وتفوّق وتقدم وتطور، كما تحررنا من تعابير دعائية استهلاكية كالحق في التعليم وجودة التعليم وذكاءات متعددة، والتي يلهينا جميعها عما هو جوهري، مثل التعلم قدرة بيولوجية كل ما تحتاجه هو أجواء حقيقية غنية حيّة متنوعة تغذي الشخص على أصعدة شتى وتساعده في سعيِه لأن يحسن ما هو شغوف به وغير ضارّ. لذا، فإن مسؤولية أساسية نواجهها حاليا (في شتى نواحي الحياة) هي تكوين مجاورات بدافع ذاتي، يتمّ التعلم فيها بحرية على الصعيدين الشخصي والجمعي، وحيث تكمن قيمة كل شريك فيما يحسنه.