عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 أيار 2016

علاقتي ببيتي‏

حنان باكير

ذكرى النكبة، تطل علينا كل عام، لا تخلف الميعاد. ونحن ننتظرها بلا كلل، لنعلن ان الوطن يواصل النمو فينا. وجدت نفسي مدفوعة للكتابة عن ايار الـ 48. ليس تذكيرا بالنكبة، فنحن ما زلنا نحيا مفاعيلها، وبكامل التفاصيل من التيه، وما ينتجه من اشكال المعاناة. ولكن ماذا نقول لهذه المناسبة، هل من جديد لدينا، ماذا نقول فيها ولها: نحن لسنا بخير، ما دمت انت بخير؟ كبرت وصار لديك العديد من الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد، يصلوننا نار جهنم والفسفور والمحارق، ومصادرة ما تبقى من ارضنا! سأحكي عن علاقتي ببيتي في عكا.

ولدت فيه. عشته اشهرا قليلة. ثم عرفت الرحيل الذي لا أعيه، لكني اعيش تفاصيل حكاياته. في الذكرى الخمسينية للنكبة، رأيت بيتنا لأول مرة على شريط فيديو. أحضره لي مراسل تلفزيوني بريطاني، عندما تعاونت معه في اعداد برنامج عن النكبة. زرنا مخيم برج البراجنة. والتقى انسانا عاديا بسيطا، زار قريته الكابري او الكويكات، لم اعد أذكر! أحضر الرجل بعضا من حجارة بيته، وقطعة من المعول الذي كان ينكش به أرضه.

ثم التقينا امرأة ميسورة الحال، ما زالت تحتفظ ببعض المقتنيات من ايام عكا. والمحطة الثالثة، كانت مع الأكاديمي واصف كمال، وكان عضوا في الوفد الفلسطيني الى الأمم المتحدة، في جلسة التصويت على قرار تقسيم فلسطين، العام 1947. كان انطباع المراسل: ما ادهشني أن الفلسطينيين ينطقون بلسان واحد، رغم اختلاف مستوياتهم الثقافية.. يعلنون تمسكهم بحقهم!!

لم أنتظر عودتي الى البيت لمشاهدة شريط الفيديو. سارعت الى بيت صديقة لي. رأيت البيت. العجوزان اللذان يسكنانه، امتعضا من فريق التصوير. دخلا البيت. ثم خرج ابنهما الشاب. الكاميرا لا تخطئ، شاهدنا الساكن الطارئ على المكان، يدفع بالمصور، فتنقلب الصور وتتلاعب. ثم يغلق العدسة بكف يده. قال انه من المغرب، كان في السادسة عشرة من عمره، حين غادر وطنه الأم. سأله المراسل، عن ذكرياته في بلدته المغربية. قال: كنت صغيرا ولا أتذكر شيئا !!

انفجرت في موجة بكاء مر. وصببت حمم بركاني على الكون كله. في طريقي الى بيتي، كنت أنتبه احيانا أنني ادخل في سباق محموم مع السيارات الأخرى. يداي تقبضان بشدة على مقود السيارة. دموعي فقدت السيطرة عليها. أمام الحاجز الأمني، نظر الدركي الي، شعر بوضع غير سوي، اشار لي بيده ان اتابع طريقي، اخذتني ثواني انتظار، فكرت أن احكي له حكاية بيتي، لكني تابعت سيري.

درت حول بيتي في شارع الحمرا، دورات عدة، قبل أن أجد موقف السيارات، الذي اعتادني واعتدته منذ سنوات طويلة!! وجع في كفي، ليس مرده القبض بقوة على المقود، لكن الاثار الحمراء والزرقاء، تدل على انغراز اظافري الطويلة في لحم كفي!

في البيت، فوق البيانو صورة أبي بالطربوش الاحمر، الى جانبه علم فلسطين، وخلفه على الحائط استراحت، لوحة زيتية لعكا! وضعت شريط الفيديو، الى جانب صورته. قلت له: هذا بيتك جئتك به، ان اردت مشاهدته!

أخذتني أشهر، قبل ان اتجرأ على مشاهدته مرات ومرات، فقد جئت بالدليل على اني لست بلا وطن!

في الذكرى الستين للنكبة، زرت بيتي حقيقة.. الذين سكنوا البيت، ورأيتهم على شريط الفيديو، رحلوا عن الدنيا، وبقيت لهم ابنة تعرض البيت للبيع!

في الذكرى السبعين.. هل اعود اليه حقيقة.. أم ...