عالم بلا ملامح
عمر حلمي الغول
عاشت البشرية لحظات انتقالية عديدة في تاريخ تطورها، امتدت سنوات للخروج من حقبة والدخول لأخرى جديدة، وكل محطة شهدت بالضرورة حالة سيولة وانهيار لبنى وهياكل، ونشوء بدائل لها. ومن اللحظات التراجيدية والدراماتيكية في مسيرة العالم كانت الحربان العالميتان الاولى 1914/1917 والثانية 1939/1945. وكلاها ادمت حياة الشعوب والدول والحضارة البشرية عموما وإن بتفاوت. لكن الاقطاب الدولية المتصارعة، رغم انها جرفت في حروبها الشعوب المستعمرة، إلا ان الناظم والهدف لتلك الحروب، كان واضحا ويتمثل في تقاسم النفوذ بين الكبار في القارات الخمس، ارتباطا بموازين القوى وما تقرره الحروب على الارض حتى مع بروز الشيوعية في 1917 في روسيا ومن ثم النازية والفاشية في كل من المانيا وايطاليا واسبانيا في اعقاب ازمة 1929، بقي الصراع محصورا في إعادة توزيع المغانم ومواقع النفوذ بمقدار ما وصلت اليه اقدام جيوش القوى المتصارعة. ومع ان لغة الايديولوجيا بسطت نفوذها قرابة سبعين عاما، إلا انها لم تغير من جوهر المعادلة.
غير ان العالم، رغم تطوره الهائل، ودخوله عصر ثورة المعلومات، التي قربت المسافات بين الشعوب والدول والحضارات، وأمسى قرية صغيرة، وأسقط الايديولوجيا مع انتصار الرأسمالية الكلي، إلا انه دخل في لحظة استثنائية من اللامنطق والسيولة والتشوش. واعادته العولمة بشكل بوهيمي إلى استحضار الصراعات الاثنية والدينية والطائفية والمذهبية، ونقلت الاقطاب الرئيسية حروبها بالوكالة لدول العالم الثالث وخاصة الدول الاسلامية والوطن العربي، المستهدف الاساسي، باعتباره الحلقة الضعيفة، ولتحقيق اهداف إستراتيجية لها علاقة بتبديد اي أفق لنهوض العرب خلال العقود القادمة، ولترسيخ وجود إسرائيل في المنطقة بعد تفتيتها دول وشعوب الامة العربية. مع أن الاقطاب الاساسية في العالم تدعي تمسكها بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، وتنادي بتطبيق قوانين ومواثيق الامم المتحدة.
بالاضافة لذلك، فإن حركة التموج بين الصعود والهبوط التدريجية في اللوحة الاممية، تشي بأن العالم يعيش حالة من انعدام الوزن، نتاج تراجع مكانة الولايات المتحدة العالمية، وإشتداد الصراع على وراثة دورها بين الاقطاب الرئيسية، فضلا عن بروز اقطاب جديدة، دخلت ميدان المنافسة والمحاصصة في مواقع النفوذ، اضف لمطالبتها بأدوار مقررة في الهيئات الاممية، تتناسب مع وزنها الاقتصادي وثقلها العالمي. كما باتت المنافسة في ميادين التسلح النووي والهيدروجيني، التي لم تعد مقتصرة على كل من اميركا وروسيا، مفتوحة امام القوى الجديدة ما خلق مشهدا غير مسبوق في اللامعقول. وما كان مستبعدا وغير مقبول في العقود السابقة من تطور البشرية، اصبح ممكنا ومقبولا الان. وبدل من ان تُحدث ثورة المعلومات والاتصالات نقلة نوعية في تعزيز عملية المثاقفة بين الحضارات البشرية، ومد الجسور بين الامم والشعوب، أحدثت تحولات عكسية متناقضة مع روح العصر ومستوى تطور العلوم والمعارف الانسانية.
هذا الوضع الغرائبي يحتاج الى تدخل القوى المنتجة له، لأن بيدها القدرة على إعادة ضبط إيقاع الصراع بين الاقطاب والامم بما يحمي البشرية، ويصون تقدمها، ويعزز من لغة التعاون والتكافل بين الثقافات والحضارات الانسانية. وبامكانها الاسهام في خلق عولمة متسامحة، خالية من الحروب والتقاسم غير المشروع لثروات وخيرات الشعوب الصغيرة والضعيفة والتابعة لأن الحرب الباردة، التي عادت بقوة بين الأقطاب الرئيسية، إن لم يتم لجم تغول تناقضاتها، فإن العالم لا محالة ذاهب لا سمح الله نحو حرب عالمية جديدة لا تبقي ولا تذر، لأن الحروب بالوكالة، الدائرة على ارض العرب، لن تحسم الامور، أضف إلى تنامي وتصاعد حدة التناقضات في جنوب شرق آسيا والدول المشاطئة لبحر الصين، وقلب اوروبا بات مثخنا بالجراح وقابل لانفجارات غير مسبوقة، وأميركا آيلة للسقوط والتشرذم لأكثر من عامل داخلي وخارجي. فهل يتنبه قادة الدول المتصارعة على وراثة قيادة العالم للاخطار المحدقة بكوكب الارض، ويوقفون انزلاقهم نحو شفير الهاوية؟
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل