عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 نيسان 2016

نحو تعليم نهضوي

باسم برهوم

ليس جديداً القول إن الاستثمار بالانسان هو أهم استثمار، كما أنه ليس جديداً القول إن أي عملية تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية، هي بحاجة إلى الانسان العارف القادر على استغلال موارد بلاده وامكانياتها المتاحة أفضل استغلال. وهنا لا بد من التذكير أيضاً بالمقولة المعروفة، وهي أن الانسان أداة التنمية وهو هدفها.

وفي الحالة الفلسطينية، ونحن شعب لا يزال يرزح  تحت الاحتلال الاسرائيلي، فإن هزيمة هذا الاحتلال وتحقيق الحرية، هي بحاجة لإنسان فلسطيني حر واع وطنياً ومحصن بالمعرفة، فالعبيد لا يمكنهم أن يحرروا أوطاناً.

في كلا الحالين، الوطنية التحررية، والتنموية، فإن الانسان هو الأساس، وبما أن الانسان هو الأساس فإن التعليم، طبيعة مناهجه وأساليبه، هو حجر الزاوية في تشكيل هذا الانسان القادر من جهة على مواجهة الاحتلال بطريقة فعالة وبأقل الخسائر- تقوده إلى الحرية- ومن جهة أخرى المؤهل للانخراط بعملية تنمية جادة تقوده إلى بناء دولة فلسطينية مستقلة، ديمقراطية وعصرية في نطامها السياسي والقانوني، والى اقتصاد وطني مستقل قادر على الصمود والمنافسة والانتاج تاليا.

والسؤال الآن هو أي تعليم نريد حتى يكون قادرا على المضي بنا الى مثل هذا الانسان المشار إليه؟ وبصورة أدق ما هي الفلسفة التي يجب أن تصاغ على أساسها العملية التعليمية، مناهج وأساليب تعليم ، لتكون قادرة على انجاز المهمة.

الجوهر في مثل هكذا عملية تعليمية، يكمن في النهضوية منهجا وثقافة وهدفا، نهضوية للمجتمع وللفرد، بشكل شامل وفي المجالات كافة.

ولكون التعليم هو الاستثمار الأهم بالانسان، فإن هذه العملية بالضرورة أن تراعي هذا الاستثمار، لتحقق المواطن المعرفي صاحب العقل الحر المستقل، القادر على تحديد خياراته واختياراته دون اي املاءات، والذي يثق بالعلم تاليا كوسيلة  للوصول إلى الحقيقة، ووسيلة للنهوض. بلغة أخرى أن لا ينتج التعليم مجتمع القطيع  الذي يأتمر بأمر ولي الأمر، مجتمع غيبي يكون فيه الانسان على شاكلة "داعش".

أوروبا على سبيل المثال لم تنتقل إلى عصر الحداثة، إلا عندما انتج تعليمها الفرد صاحب العقل الحر المستقل، الفرد الذي يفصل بابداع ايماني ان صح التعبير، بين الدين والعلم و الدين والسياسة، وهذا هو جوهر الحداثة، فالحرية الفردية، المستندة إلى عقل علمي حر، هي ما يجب أن تسعى إليه أي فلسفة تعليمية في إطارها العام.

ولاحقاً لدينا نماذج نجاح، فدول مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، لم تنهض وتنتقل بمجتمعاتها من مجتمع زراعي بدائي متخلف إلى مجتمع صناعي تكنولوجي، إلى الدولة العصرية الحديثة، إلا من خلال تغيير مناهج التعليم وأساليبه. ويكفي الاشارة إلى أن بلداً مثل كوريا الجنوبية كانت في الخمسينات من القرن العشرين أكثر تخلفاً من مصر – وهي اليوم دولة منافسة في الاقتصاد الدولي.

أما الشق الثاني من فلسفة التعليم، والمتعلق بالجانب الوطني التحرري الفلسطيني، فإن العملية التعليمية يجب أن يكون لها هدف رئيسي هو تحصين المواطن الفرد والمجموع، بالوعي الوطني  وبالشخصية الوطنية والحضارية، ومن خلال ادراك   تاريخه وحاضره ليستشرف مستقبله، مواطن يدرك حجم التحديات ويعرف كيف سيواجهها باسلوب علمي واعي. لذلك فإن المناهج الفلسطينية بالضرورة يجب أن يكون هدفها تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية بمضمونها السياسي والثقافي، وامتدادات هذه الهوية قومياً وانسانياً، فالحضارة الانسانية كل لا يتجزأ، وتعزيز هويتنا الثقافية هو انخراط قومي وفاعل في هذه الحضارة.

إن أي فلسفة تؤسس لعملية تعليمية فلسطينية نهضوية بالضرورة أن تعتمد على هاتين الركيزتين، وينتج عنها انسان فلسطيني محصن في وعيه الوطني- انسان معرفي عصري ذو عقل حر مستقل يؤمن بالعلم، مثل هكذا تعليم- تعليم نهضوي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى هو بحاجة إلى إرادة وإيمان من اصحاب القرار، بأن التعليم هو الاستثمار الأهم بالانسان، وإن الاستثمار بالانسان هو الأولوية التي لا يعلو عليها أية أولوية.

من هنا لا بد أن يأخذ التعليم القسم الأكبر من موازناتنا في إطار خطة تنموية شاملة تجيب على اسئلة هامة مثل أي إنسان نريد، أي مجتمع، نريد أي اقتصاد نريد.