لا تنبت البذرة إلا إذا ماتت
محمد علي طه
"ساكن الغيوم" الكاتب والشّاعر السّوفييّتيّ الكبير بوريس باسترناك (1890-1960) مؤلّف الرّواية الشّهيرة " دكتور جيفاكو" والذي منح جائزة نوبل للآداب 1958 ورفضها، كتب في سيرته الذّاتيّة الشّائقة التي أسماها "رسم السّيرة الذّاتيّة " عن علاقاته مع عدد كبير من الشّعراء والأدباء البارزين أمثال: مكسيم جوركي وفلاديمير ماياكوفسكي وسيرجي يسّينين ومارينا تسفيتاييفا وباولو ياشفيلي وايليا اهرنبورغ والكسندر فادييف، كما يرسم الحياة الثقافيّة في موسكو في النّصف الأوّل من القرن العشرين وبخاصّة في زمن المرحلة السّتالينيّة القاسية التي عانى منها الأدباء والفنّانون. ومن الغريب أنّه لم يذكر في سيرته القصّة المشهورة التي تقول "عندما عرضوا على جوزيف ستالين قائمة توصي بنفي شخصيّات روسيّة ومن بينها باسترناك كتب على الحاشية: "لا تلمسوا ساكن الغيوم".. لأنّه كان معجّبا بشعره.
كتب باسترناك هذه السّيرة، في أواخر أيّام حياته بين ربيع 1956 وخريف 1957 تحت عنوان كبير "رجال ومواقف" وبعنوان ثانويّ "رسم السّيرة الذّاتيّة" وكان قد كتب من قبل في العام 1930 "صكّ الأمان " الذي أسماه مترجمه إلى العربيّة د.نظمي لوقا "ذكريات الصّبا والشّباب " والذي يعتبر سيرة الفن في روسيا أكثر مما هو سيرة لباسترناك.
ترجم هذه السّيرة عن الرّوسيّة الأديب المغربيّ إدريس المليانيّ الذي أعلن في مقدّمته "ليست التّرجمة الأدبيّة خيانة بل هي بكلّ تأكيد أمانة" وأمّا باسترناك فيقول "من الضّروريّ في الحياة أنّ نفقد أكثر ممّا نربح. البذرة لا تنبت إذا هي لم تمت. على المرء أن يحيا دون أن يكلّ، وأن يتطلّع إلى الأمام وأن يتغذّى بهذه الذّخائر الحيّة التي ينتجها النّسيان بالاشتراك مع الذاكرة." ويكتب عن الشّاعر ماياكوفسكي "شابّ وسيم، متجهّم المظهر، ذو صوت جهير كصوت رئيس الشّمامسة وله قبضة ملاكم وفكاهة هائلة لا تنضب. ذكّرني بصورة المناضل الإرهابيّ السّرّيّ في روايات دوستويفسكي"، ويضيف "أحببت كثيرا أشعاره الغنائيّة المبكرة. كانت أشعارا على مستوى فنّيّ رفيع شامخة شيطانيّة ماردة "، ويقتبس مقاطع من أشعاره مثل:
أحمل روحي على طبق إلى وجبات طعام الأجيال القادمة.
وأمّا عن الشّاعر يسّينين فيكتب: "كان يتعامل مع حياته كما مع خرافة. لقد عبر طائرا فوق المحيط على ذئب رماديّ كالقيصر إيفان وكطائر النّار. كان يكتب أشعاره بطريقة رائعة. تارة كان يوزّع الكلمات كأوراق لعبة الحظ وتارة أخرى كان يكتبها بدم القلب، وأثمن ما فيها صور الطّبيعة بمسقط رأسه والمنظر الغابويّ لوسط روسيا."
يذكر باسترناك بأسى في مذكّراته أنّ عددا من هؤلاء من الشّعراء والأدباء تألموا كثيرا في تلك الفترة وتحوّل شعورهم بالقلق إلى مرض نفسانيّ ويذكر أنّ يسّينين شنق نفسه (1926) وأنّ ماياكوفسكي أطلق رصاصة على رأسه في 14 نيسان (1930) وأنّ باولو ياشافيلي فجّر رأسه برشّ من ماسورتيّ بندقيّة (1937) وأنّ مارينا تسفيتا ييفا كانت نهايتها بأن أدخلت رأسها في عقدة حبل (1941) وأمّا الكسندر فاداييف فقال: ها هو ذا قد انتهى كلّ شيء. وداعا ساشا، وأطلق رصاصة على رأسه (1956).
هذا الكتاب الصّغير الحجم هو سيرة ذاتيّة للحياة الثّقافيّة في روسيا في تلك الفترة أكثر مّما هو سيرة ذاتيّة للمؤلّف.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل