عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 19 نيسان 2016

قرارات المحكمين بين الطعن والفسخ في ضوء القانون والواقع العملي

المحامي د. إيهاب عمرو *

يلاحظ مؤخراً قيام المحاكم الفلسطينية على اختلاف درجاتها بإصدار أحكام في قضايا حقوقية بشأن طلبات قدمت لها وموضوعها فسخ قرارات صادرة عن محكمين. ولعل الأمر الذي يثير التساؤل هنا يتعلق بمدى صحة تقديم طلبات كهذه استناداً إلى قانون التحكيم ساري المفعول لعام 2000، عوضاً عن تقديم طلبات طعن بالقرارات الصادرة عن محكمين بموجب المادة (43) من قانون التحكيم سالف الذكر. إن الإجابة عن هذا التساؤل ذي الأبعاد العملية تستدعي أولاً وقبل تناول قانون التحكيم الفلسطيني، تحديداً المواد ذات العلاقة، وقبل الحديث كذلك عن الممارسة القضائية، أن نوضح فكرة التحكيم كوسيلة لحل المنازعات المدنية، التجارية وتلك الخاصة بالجوانب المالية لمسائل الأحوال الشخصية.                                                                 

بادئ ذي بدء، تجدر الإشارة هنا إلى أن الاتفاق على التحكيم قد يتم بناء على اتفاق الأطراف عند إبرام العقد بواسطة إدراج شرط ينص على إحالة أي نزاع قد ينشأ عن هذا التعاقد إلى التحكيم. ومؤدى ذلك استثناء أي دور محتمل للمحاكم العادية بنظر النزاعات الناشئة، ويسمى في هذه الحالة شرط التحكيم. كما قد يتفق الأطراف على إحالة النزاعات الناشئة بينهم بعد إبرام العقد إلى التحكيم، ويسمى في هذه الحالة مشارطة التحكيم. كما قد تقوم المحكمة المختصة بناءً على اتفاق الأطراف بإحالة النزاع إلى هيئة تحكيم تقوم بنظر النزاع وإصدار قرارها بشأنه، على أن يقوم الطرف الراغب بالتنفيذ بعد ذلك بتقديم طلب لدى المحكمة المختصة للتصديق على القرار المذكور، في حالة رفض التنفيذ الطوعي من قبل الطرف الخاسر. ويكون لقرار التحكيم بعد تصديقه من المحكمة المختصة ذات الأثر القانوني الذي يكون لقرارات المحاكم العادية، وينفذ بذات الطريقة التي تنفذ فيها أحكام تلك المحاكم وفقاً للأصول المرعية بموجب المادة (47) من قانون التحكيم ساري المفعول، واستناداً إلى قانون التنفيذ لعام 2005، تحديداً المادة 8 منه التي تشير صراحة إلى أن أحكام المحكمين القابلة للتنفيذ تعد سنداً تنفيذياً كباقي السندات التنفيذية الأخرى مثل الأحكام والقرارات والأوامر القضائية ومحاضر التسوية القضائية.

ننتقل الآن للحديث عن الإشكالية القانونية ذات العلاقة بالموضوع محل البحث، التي تكمن في الخلط بين مفهومي الطعن ضد قرار التحكيم وفسخ قرار التحكيم، بحيث يقوم بعض الزملاء المحامين بتقديم طلبات لدى المحاكم المختصة يكون موضوعها فسخ قرارات محكمين، عوضاً عن تقديم طلبات موضوعها الطعن ضد قرارات المحكمين بموجب المادة (43) سالفة الذكر من قانون التحكيم. وتقوم المحاكم بقبول تلك الطلبات ونظرها وإصدار أحكام بشأنها، رغم عدم دقة موضوع الطلب. وقد يعتبر البعض ذلك مسألة شكلية لا تؤثر كثيراً في الواقع العملي، غير أننا نرى أن تلك المسألة تعد مسألة إجرائية عملية ينبغي التنبه لها من أجل سلامة الإجراء القانوني، خصوصاً أن التحكيم كفكرة يعتمد على الإجراءات مما ينبغي معه التنبه لصحة الإجراءات المتبعة. في سبيل توضيح ذلك، فإنه يتعين علينا أن نشير إبتداء إلى أن المادة (43) من قانون التحكيم ساري المفعول تجيز لكل طرف من أطراف التحكيم الطعن ضد قرار التحكيم لدى المحكمة المختصة بناءً على أسباب قد تتعلق بالاتفاق على التحكيم في حالة كونه باطلاً، أطراف التحكيم من حيث أهليتهم، المحكمون من حيث أهليتهم ونزاهتهم وعدالتهم الإجرائية، إجراءات التحكيم في حالة كونها غير صحيحة، وقرار التحكيم في حالة كونه باطلاً أو استحصل عليه بطريق الغش والخداع. إضافة إلى إمكانية الطعن ضد قرار التحكيم في حالة مخالفته للنظام العام الذي قد يكون عائداً إلى سبب إجرائي كعدم مراعاة مبدأ العدالة الإجرائية أثناء سير عملية التحكيم، أو قد يكون عائداً إلى سبب موضوعي كعدم قابلية موضوع التحكيم لأن يكون محلاً للتحكيم مثل حظر الاتفاق على التحكيم في عقود العمل الفردية عند إبرام عقد العمل بين العامل ورب العمل وقبل إنتهاء مدته. ويقدم طلب الطعن ضد قرار التحكيم إلى المحكمة المختصة خلال ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتاريخ صدور القرار متى كان وجاهياً، وإلا فمن اليوم التالي لتاريخ تبليغه بموجب المادة (44) من قانون التحكيم. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه إذا إنقضت المدة المذكورة في المادة سالفة الذكر دون الطعن ضد قرار التحكيم فإن يحق للمحكمة المختصة أن تصدر، بناء على طلب أحد الأطراف، قراراً بتصديقه وإكسابه الصيغة التنفيذية. ويكون قرارها نهائياً وينفذ بذات الطريقة التي تنفذ بها قرارات المحاكم، تأسيساً على نص المادة (45/1) من القانون المذكور. وفي حالة قضاء المحكمة المختصة برفض طلب الطعن فإنها تقرر صحته وإكسابه الصيغة التنفيذية، بموجب المادة (45/2). غير أنه يحق للمحكمة في حالة قبول طلب الطعن فسخ القرار وإعادة النزاع إلى هيئة التحكيم لإعادة النظر في النقاط التي تحددها المحكمة، متى رأت ذلك ملائماً بموجب المادة (45/3) من القانون المذكور. وعليه، فإنه يتبين لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن المقصود من فسخ قرار التحكيم هو حالة قيام المحكمة بقبول طلب الطعن، وأن حالة الفسخ تلك ليست بمعزل عن عملية الطعن ضد قرار التحكيم. وهذا يستدعي بالضرورة تعديل الطلبات التي تقدم إلى المحاكم المختصة والتي يكون موضوعها فسخ قرار التحكيم، بحيث يتم تقديم طلبات موضوعها الطعن ضد قرار التحكيم وليس فسخ قرار التحكيم، الذي قد ينشأ عنه إما رفض الطلب من قبل المحكمة المختصة وإكساب قرار التحكيم الصيغة التنفيذية، أو قد ينشأ عنه قبول طلب الطعن من قبل المحكمة المختصة وفسخ قرار التحكيم محل الطعن.                                                                   

في الممارسة القضائية، يلاحظ صدور العديد من القرارات التي تشير صراحة إلى قيام الطرف المتضرر من قرار التحكيم بتقديم طلب فسخ قرار محكم وليس طلب طعن ضد قرار محكم لدى المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع، وقد أشارت محكمة النقض الموقرة صراحة إلى ذلك ضمن حيثيات حكمها في القضية رقم 273 لعام 2011 التي فصلت فيها بتاريخ 27/02/2012، رغم قيامها مع ذلك بالإشارة إلى أن المحكمة التي تنظر طلب الفسخ هي ذاتها محكمة طعن، حيث جاء في قرارها: "وعن السبب الأول من أسباب الطعن ولما كان القرار المطعون فيه يتعلق بطلب فسخ قرار محكم، ولما كان قانون التحكيم هو الواجب التطبيق على هذا الطلب والقرار الصادر فيه من حيث إجراءات التحكيم والقرارات الصادرة والطعن فيها ولما كانت المحكمة التي تنظر طلب الفسخ هي محكمة طعن وفق نص المادة (43) من القانون، ولما كان مفهوم المادة (46) من القانون يجيز الطعن بالاسئناف في القرارات التي تقضي بها المحكمة المختصة بفسخ قرار التحكيم بالاستناد للمادة (45) فقرة (3) من القانون باعتبار أن القرار الصادر بفسخ قرار المحكم يعتبر قراراً فاصلاً في  التحكيم يجوز استئنافه...".

في ضوء ما سبق، نرى أنه لا بد من مراعاة عدم الخلط بين طلب الطعن ضد قرار التحكيم بموجب المادة (43) من قانون التحكيم ساري المفعول وبين قرار المحكمة المختصة بفسخ قرار التحكيم في حالة قبولها طلب الطعن، وبما أن قانون التحكيم هو الواجب التطبيق على تلك الطلبات كما أشارت محكمة النقض الموقرة في قرارها سالف الذكر، والتي تعد أعلى المحاكم النظامية من حيث التراتبية، فإن القانون ينص على تقديم طلب طعن ضد قرار التحكيم وليس طلب فسخ كما هو معمول به في الواقع العملي حالياً.                              

----------

* أستاذ القانون الخاص ومحكم معتمد من وزارة العدل