عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 نيسان 2016

الإضراب عن الطعام بين الفردي والعام

عدنان نعيم

كانت وما زالت اضرابات الحركة الاسيرة عن الطعام، وسيلة نضالية متقدمة، يلجأ لها الاسرى حين تغلق الابواب التفاوضية والاحتجاجية كافة للأسرى مع ادارة السجون، التي تتعنت وترفض منح الاسرى الفلسطينيين حقوقهم الانسانية والسياسية كأسرى سياسيين. وتعددت اشكال وانماط الاحتجاجات داخل السجون واضحت علما وفنا وطرائق تستخدمها الحركة الاسيرة لانتزاع حقوقها، كانت سياسة الاحتلال في مطلع الثورة المعاصرة تجاه الاسرى الفلسطينيين تتمثل في التعامل معهم كمجموعة من الجنائيين دون مرجعية سياسية لهم وتعتبرهم مجرد اجساد مغمورة بالإحباط واليأس والندم، وكانت ترفض ان يكون لهم جسم تمثيلي سياسي وتصر على وجود ممثل للأسرى فقط يسهل التعامل بينهم وبين ادارة السجن.

 وعبر نضالات شاقة وطويلة ومستمرة استطاع الاسرى تثبيت انهم ممثلون لفصائل عمل وطني فلسطيني وان ممثل الاسرى يختاره الاسرى ممثلو الفصائل وليس ادارة السجن، واصر الاسرى ان يكون دورهم طليعيا وانهم في السجون استمرارا للحالة النضالية ضد الاحتلال ما حفزهم ليصنعوا من هذه المقابر مدارس ثورية تعبئ وتحشد وتبني المناضل الاسير. وبدأت الاحتجاجات مع مطلع الثورة الفلسطينية، حيث كان يمنع التجمع في الساحة الاكثر من اسيرين وكان الاكل رديئا وقليلا، والملابس شحيحة، كذلك القرطاسية، والكتب كانت شبة مفقودة، وكانت اكبر مهمة نضالية في السجن هي ان تخبئ قلما او مجموعة اوراق او كراس عن اعين السجان،  لدرجة ان الاسرى كانوا يخطون تعاميمهم وبياناتهم ورسائلهم على ظهر قصدير علبة السجائر.

خاضت الحركة الاسيرة اكثر من اربعة وعشرين اضرابا عن الطعام خلال مسيرتها النضالية، اولها اضراب سجن عسقلان عام 1970 وآخرها اضراب عام 2014،  حققت خلالها غالبية مطالبها الانسانية والوطنية عبر الاحتجاجات واهمها الاضراب المفتوح عن الطعام.

وشكل الأبطال، محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، باكورة شهداء الحركة الاسيرة، أما الشهيد عبد القادر ابو الفحم فكان شرارة العمل النضالي الاحتجاجي في سجون الاحتلال، حيث استشهد في اول اضراب للحركة الاسيرة (1970)، اثناء اضراب سجن عسقلان، ليبلغ شهداء الحركة الاسيرة سواء الذين استشهدوا نتاج الاضرابات او التعذيب او الاهمال الطبي 197 شهيدا اسيرا حتى عام 2015.

كانت الظروف القاسية والمعاملة العنصرية من قبل مصلحة السجون الاسرائيلية هي المحرك الرئيس لنضالات الحركة الاسيرة؛ التي تنوعت بين خطوات نضالية احتجاجية واخرى تضامنية الى خطوات مطلبية، استخدم الاسرى فيها التكتيك والتدرج بالخطوات التي كانت غالبا ما تقابل بالرفض والقمع من قبل ادارة السجون، كما شملت الخطوات ارجاع وجبة الطعام ورفض الوقوف للعدد او رفض الذهاب الى عيادة السجن او حتى الخروج الى زيارة الاهل الى ترجيع 3 وجبات متتالية او اضراب يوم بعد يوم او عدم الخروج الى الفورة والاستنفار العام في المعتقلات والوقوف على الشيك وهز الشبك او الوقوف والهتاف بمطالب الأسرى، ورفع اللافتات التي تندد بسياسات الاحتلال او احراق الابراش (البرش هو السرير الخشبي او الحديدي رديء الصنع الخاص بالأسير)، والخيام...الخ.

الاضراب المفتوح عن الطعام

يعتبر اعلان الاضراب المفتوح مواجهة مفتوحة مع ادارة مصلحة السجون، وله معايير وفنون وآليات، وعناصر نجاح وعناصر فشل ايضاً من ابرزها واهمها وجود مطالب جوهرية للأسرى، اضافة الى تماسك وقوة الحركة الاسيرة وارتفاع روحها المعنوية واختيار التاريخ المناسب (ساعة الصفر) للبدء بالاضراب. دائما كانت الخطوات الجماعية للأسرى احدى اكثر الخطوات النضالية الاعتقالية طرحاً للثمار، وتحقق اهداف منها مطالب جماعية وفردية ومنها زيادة تماسك  اللحمة للجسم الاعتقالي. الخطوات النضالية الفردية وتحديدا الاضراب المفتوح عن الطعام: احيانا تكون هناك قضايا تمس المعتقلين عموماً وكل معتقل بصورة خاصة مثل الاعتقال الاداري، ولكن لا تتوفر الارادة المناسبة للحركة الاسيرة لخوض اضراب مفتوح، وبالإضراب الفردي، مثل ما قام به المناضلون، سامر العيساوي وخضر عدنان ومحمد علان ونضال ابو عكر وغسان زواهرة وبدر الرزة ومنير ابو شرار ومحمد القيق واخرون "يلجأ احد الاسرى الذي يقتنع بعدالة قضيته بعد مشاورات مع زملائه وتنظيمه وعائلته (كمعتقل اداري مثلا او اسير مريض تماطل ادارة السجن في علاجه وقد يتعرض للخطر)، قد لا يوافق الاسرى على خطوته الفردية، لكن يكون الخيار الطبيعي امام المجموع  الاعتقالي مناصرته ودعمه.

برأيي وبرغم أن الاضراب الفردي بطولة نادرة وعظيمة وحققت واربكت سلطات الاحتلال، وكشفت عن غطاء قانوني واخلاقي يتلفع فيه الاحتلال، متمثلاً بمحاكمهِ العسكرية، وقراراته العنصرية المدعومة من محكمته العليا، وبرلمان الكنيست العنصري. فان هذا القرار الفردي، برغم المآخذ عليه من كثير من الناشطين والاسرى والفصائل، بأنه غير مفضل، غير اننا لابد ان نقتنع انه قرار جريء للغاية وتحد وبطولة نادرة وحافز للآخرين لدفعهم  للانضمام  الجماعي الى هذه المبادرات الكفاحية الفردية، وما هو إلا قرار جاء نتاج ضعف وترهل البنية التنظيمية  للحركة الاسيرة  والواقع الفلسطيني  العام البائس  في ظل الانقسام البغيض.