عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 نيسان 2016

بناء المدن ثقافيا

حنان باكير

الحرب تدمر المدن، والثقافة تعيد بناءها بالشكل الأجمل والأشهى. ورغم ضبابية المشهد الثقافي العربي في عالم الاغتراب، الا أننا لا نعدم وجود ظواهر أدبية، قدمت اسهامات كبيرة، للثقافة الغربية وعرّفت بثقافتها العربية. في النرويج، لا يمكننا العبور بسرعة، على ظاهرة اسمها، وليد الكبيسي. تلك الشخصية الجدلية، التي لم يستطع الكثير معها، فهم كيف يمكن أن تكون علمانيا، ومتنورا، ووطنيا في الآن ذاته!

فعندما يضيق الوطن، ليصبح أصغر من زنزانة، وتتحدد حرية المثقف، بخيار الزنزانة أو القبر، فإن الرحيل نحو فضاءات تتسع لحرية الفكر والتعبير، يبقى المجال الأنسب، لمن انحاز لخيار الحياة. غادر وليد العراق، الى لبنان. والتزاما بدور المثقف الثوري والملتزم، فقد مارس العمل الوطني هناك. تناقلته "الزنازين الشقيقة" في منافيه العربية.. فعاد الى دورة البحث عن فضاء أكثر تسامحا ورحمة. فحط رحاله في النرويج.

أدرك مبكرا، أن إتقان اللغة، هي سبيله الوحيد، لتجنب التهميش، والإسهام في رفد ثقافته الجديدة، وابراز هوية ثقافته العربية. لم ينزو، ولم يعش أسير مشاعر الاغتراب الكئيبة، بل مسّد أحزان الرحيل والحنين، باقتحام عوالم جديدة، وبكل تنوع ثقافاتها.. أتقن اللغة النرويجية كأهلها. ثم كتب بها، ونحت كلمات عربية جديدة، دخلت قاموس اللغة النرويجية. والحصيلة كانت سلسلة كتب فكرية ونقدية، رفعته الى مصاف كتاب النرويج ومفكريه.

يوم التقيته أول مرة، حيث دعاني للمشاركة في قراءة أدبية، اطلعت على برنامج النشاط، فخلته عمل مؤسسة ثقافية كاملة. من جمع للنصوص، وترجمتها والاتصال بأصحابها، وتنسيق القاعة أو المسرح، والإشراف على كل دقائق وتفاصيل النشاط.. لكنني سرعان ما اكتشفت، انه هو المؤسسة بكل تخصصاتها!

ترجم وليد، الشعر العربي، والقصص لكبار الأدباء العرب، كما ترجم من اللغة النرويجية، بعض الدواوين والنصوص الأدبية، ما دفع جامعة الرباط، الى استحداث مادة جديدة لدراسة الأدب النرويجي. حصد العديد من الجوائز وأعلاها قيمة جائزة "منحة الدولة"، وقد نالها بتجاوز شرطين: الأول شرط العمر، فقد كان في الخامسة والاربعين من عمره. ولم يسبق أن حصل عليها كاتب نرويجي، قبل سن الخامسة والستين. والشرط الثاني، أصوله الأجنبية! هذه المنحة، وهي الأعلى في النرويج، يصبح الكاتب معها، موظفا حكوميا، متفرغا فقط للكتابة والإبداع. والحاصلون عليها، يصبحون "مثقفي الدولة"، وهذه التسمية لا تحمل المعنى السائد في ثقافتنا، اي "المنافقون" للسلطة.. بل هم الذين ترعاهم الدولة، حتى لا تشغلهم هموم الحياة وتكاليفها، عن الإبداع! إذ لا يتورع الكاتب وليد، ايضا عن نقد السلبيات في المجتمع النرويجي، وحواراته مع مثقفين نرويجيين، تصل أحيانا، حدّ التصادم الفكري، لكن بطريقة حضارية.

الجائزة الثانية كانت، الإقامة في بيت الكاتب النرويجي الكبير"هنريك إبسن"، مدة سنة كاملة، في منطقة "شيين"، مع ميزانية كاملة، لرعاية أنشطة ثقافية وأدبية، يدعو لها، الشعراء والأدباء، من أنحاء النرويج، للقراءة ومناقشة القضايا الثقافية! كنت محظوظة أني زرت بيت إبسن، وكان لي شرف لقاء نخبة رائعة من كبار كتاب النرويج. تبقى الإشارة الى أنه يتحين كل الفرص، ليقدم لي الفرص لقراءات ادبية فلسطينية.

ما دعاني لموضوع هذه التغريدة، هو أن أزيح عن نفسي، تهمة أنني لا أرى إلا سلبيات المهاجرين، من ناحية، ورسم صورة لشكل علاقة الدولة بالمبدعين والكتّاب، بشكل عام.. ثم إلقاء الضوء على شخصية عربية، لها حضورها في المشهد الثقافي النرويجي!